القدس وأشياءٌ أُخرى

– هل أنت سعيد بقدوم محمد؟

      كانت الساعة تقترب من الرابعة صباحاً، نسمات عليلة تهب برفق على الأشجار والنباتات التي تحاول الحفاظ على خضرتها وحياتها بجوار نهر يتلاشى. نهر عبره (يوشع بن نون) مع بني (إسرائيل) بعد موت النبي (موسى) حيث أنقذهم من التيه، وأوقف الله من أجلِهِ يوم عبوره الشمس عن المغيب، وذلك لعدم قتال بني إسرائيل في يوم السبت. وهذا الوقت هو موعد حلول آذان الفجر في شهر أيلول (سبتمبر) والذي كان يصل بصوت غير واضح إلى مسامع (ايدن) الذي يشير اسمه باللغة العبرية إلى انه – الشخص المحبوب، طيب القلب، خفيف الظل، الجاد في العمل والذي يحب الاستقرار في حياته. كان يجلس على الضفة الشرقية لنهر الأردن في منطقة تدعى وادى ( الخرّار ) وهي على مقربة من التلة التي صعد منها النبي  (إيلياء) أو (إلياس) إلى السماء . تتلألأ في المياه صورة النبي (يوحنا المعمدان) نبي الله ( يحيى ابن زكريا) ونبي الديانة ( الصابئية ) وهو يُعمِّد السيد المسيح ، كان ايدن مرتديا ملابسه التي تُعطي من يراها انطباعا أوليا أنه قادم من منطقة محايدة مظللة بأطلال تاريخ قديم تناقضت في مدى صحته الآراء . عندما سمع ايدين الآذان توضأ واتجه بخطوات سريعة نحو مصدر الآذان حيث بدأ ذلك الشريط السينمائي يُعرض في مخيلته وذلك يحدث غالبا بعد سماعه الآذان فيبدأ (بصراع شابين  بعد أن رفض الرب تقبل قربان أحدهما) . ويجد ايدن أنه يجاهد نفسه للحيلولة دون أن ينتهي الأمر بقتل أحدهما للآخر ثم يبتسم ابتسامة الرضى محدثا نفسه .. إنني لو منعت ذلك ربما تغير شكل شجرة البشرية ،  إنها حكمة ملك الملوك .( ثم يسمع نشيد طلع البدر علينا وتتراءى له جموع أهل المدينة التي كانت تسمى يثرب نسبة إلى ( يثرب ابن قاينه ) الذي ينتهي نسبُه إلى نوح عليه السلام مبتهجين فرحين لاستقبال النبي المهاجر مع صاحبه والمسافر مسافة تربو على الأربعمائة كيلو متر وفي تلك الهجرة قال مطمْئِنا صاحبَهُ في غار ثور.. لا تحزن إن الله معنا.. فيبعد الله نظر من يتبعهما فلا يستطيعون رؤيتهما . ينظر نحو يمينه ليجد بجانبه (حُيَيْ ابن أخطب) وهو سيد (بني النضير) ووالد أم المؤمنين (صفية) فقال له :

فأجابه حيي:

– سأطلب النظر إلى خاتم النبوة بين كتفيه فإن كان نبيا .؟.

– ماذا ستصنع ؟

– عداوته ما بقيت .

فابتسم ايدن ابتسامته المعهودة وحدث نفسه قائلا كيف لي أن أخبره بأن نهايته ستكون على يدي هذا النبي !؟)

   وبني النضير قبيلة من إحدى وعشرين قبيلة يهوديه تسكن يثرب وكان وجود بعضهم يعود لزمن النبي موسى والبعض الآخر هرب إلى يثرب بعد غزو الروم للشام وبعضهم من القبائل العربية التي تهودت .. ثم ( ما لبث ايدن أن وجد نفسه في مدينة السلام منتظراً مع أهل المدينة  أمير المؤمنين (عمر ابن الخطاب) ليتسلم من البطريرك (صفرونيوس) مفاتيح المدينة ويكتب لأهلها عهدا يؤمّن فيه أرواحهم وأموالهم عُرِف ( بالعهدة العمرية ) ويذهب إلى (كنيسة القيامة) حيث دعا صفرونيوس عمر لتفقد الكنيسة فلبى عمر الدعوة وأدركته الصلاة وهو فيها فالتفت إلى البطريرك وقال أين أصلي؟ فقال له مكانك صلي . فقال ما كان لعمر أن يصلي في كنيسة فيأتي المسلمون من بعدي ويقولون هنا صلى عمر ويبنون عليه مسجدا فرمى حجرا وصلى هناك حيث بني (الجامع العمري) ووضع حجر الأساس ( للمصلى القبلي) داخل سور المدينة القديمة . ينظر ايدن إلى ذلك الخليفة المتواضع القوي العادل بكل إعجاب . فيسمعه ينادي ” يا سارية الجبل ” وذلك عندما تكاثر عليه الأعداء ونتيجة للاتصال عن طريق التخاطر..! لجأ سارية للجبل ففتح الله عليه بالنصر. بالإضافة أنه لم يصدق عيناه عندما رأى خليفة المسلمين يمشي ويمسك مقود الناقة بينما خادمه يركب لأنهما تناوبا على ذلك وكان دور الخادم في ركوب الناقة عند وصولهما مشارف القدس . وتتتابع المشاهد فتتغير كل مرة ولكن مشهدا يجعل ايدن يبتسم ابتسامة تكاد تضيء الدنيا من حوله ألا وهي رؤيته للمسلمين في العام التاسع للهجرة يخرجون بصحبة نبيهم الذي أمرهم قائلا (أخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم) وكان يقصد بذلك (أصحمة بن أبجر ) الذي ولد عام 560 م وتوفي عام 630 م وهو نجاشي وهذا لقب يطلق على ملوك الحبشة . يخرجون إلى الصحراء ويصطفون ليؤدوا صلاة الغائب . مشاهد كانت في زمن عرضها وقت رفع الآذان . انتهت صلاة الفجر ودعا ايدين دعوات ليست طويلة ممزوجة ببعض الدموع ونهض متجها نحو مدينة السلام التي بدأ سفره إليها من مصر عبر رحلة طويلة مرورا بطور سيناء ومكة والمدينة . أسئلة تدور في ذهن ذلك المرتحل إلى بوابة السماء أعانته أجوبتها على الاستمرار في السفر والتجول في بلاد غريبة ومحاورة عقول أناس يجمعهم شيء يبحث عنه ايدين مرة عن طريق الإيمان ومرة أخرى عن طريق ذكائه الفطري ومعرفته التي اكتسبها نتيجة عمله طويلا في المكتبات ودور الطباعة في مصر وكذلك كونه تتلمذ على ايدي كبار علماء الأزهر كل ذلك جعله يدرك ويعلم من علم الله الكثير .. الشريط يعود ثانية على هيئة صوت جهوري كأنه قادم من أعالي السماء ..(من دخل بيت ذلك الرجل القرشي وأحد سادة مكة فهو آمن!). (من علم عشرة أميين فهو حر طليق) يضيف ايدن محدثا نفسه ( بعد أن كان بالأمس عدوا يحارب الذين بتعليم بعضهم يصبح حرا)؟ ! ( ومن منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر؟!) وفجأة يسمع ايدن صوتا مستغيثا لا يستطيع فهم ما يريده وقد أشرقت الشمس في تلك البقعة الجرداء من الأرض المباركة والتي تنخفض عن سطح البحر بأكثر من ثلاثمائة متر وأدرك بعد سير خطوات نحو مصدر الصوت أنه قادم من أحد الكهوف المطلة على البحر الميت . ارتشف ايدن بعض الماء من حافظة الماء  التي ملأها من نبع بمحاذاة النهر وأدار رأسه باحثا حوله عن لا شيء ليبعد عن نفسه أية مشاعر تجعل منه خائفا وسار نحو باب الكهف حيث كانت إضاءة المصباح خافتة مع اختلاط نورها بأشعة الشمس القادمة من الجهة المقابلة .

   السلام عليكم قال ايدن وأنصت منتظرا الرد مِن مَن في الكهف ولكن الصمت خيم على المكان حتى انطلق نباح كلبٍ يدل على أنه يتجه وبسرعة نحو ايدن وعندما اقترب منه وإذا به يجثو أمام أقدامه بكل هدوء ثم يظهر وجه لعجوز يدعى (الجبلي) يبدو عليه الخوف والاضطراب  فيقول بصوت ممزوج بالحزن والألم لقد رحلَت .. من أحببت .. ومن كانت جليسا لي وونيسا  ولم استطع إيقاظها حيث كانت بصحة جيدة عندما نامت بالأمس ..من أنت ؟

    ابتسم ايدن مربتا بيده على كتف رجل الكهف الذي يظهر بوضوح على صدره ذلك الصليب الخشبي المطعم بالفضة والمعلق برقبته  واتجها كلاهما إلى داخل الكهف حيث الزوجة التي ابتسمت بعد أن مسح ايدن على جبينها وقوله هامسا ( أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما تجد من وجعها هذا ) وقال ايدن ربما صعقت كما صعق سيدنا موسى ولا اطمع إلا في كوب ماء ولا تنسى أن تجعلها تشرب الميرمية ولكن اغليها جيدا وبعد أن شرب بعض الماء البارد من وعاء فخاري لونه بلون الأرض المائل للحمرة وأخذه ثلاثة أقراص من أقراص الزعتر المصنوعة داخل كهف الجبلي حيث أعطاها الجبلي له بناءً على طلب من زوجته،  قال :

– أنا عبد الله وقد سرت على آثار خطى الأنبياء راغبا في الوصول إلى سر الأسرار في مدينة الحب والسلام .

– ولكن أين هذا السر الذي تبحث عنه؟

      ابتسم ايدن واتجه نحو باب الكهف قائلا في التابوت أو في مغارة سليمان وربما في كهف معراج النبي أو في الأقبية تحت مسجد الأقصى أو في ( الجلجثه ) حيث صلب السيد المسيح.. أو ربما في طريق الآلام ..وربما أعود لطور سيناء أو إلى مكة .

– انتظر لدى زوجتي ما يمكن أن تحتاج إليه أثناء رحلتك .

ذهب رجل الكهف إلى زوجته وهمس إليها متسائلا فأشارت إلى أحد زوايا الكهف حيث هنالك صندوق بني قديم فتحه بصعوبة ليخرج منه صحيفة مطوية أعطاها لايدن قائلا هل توضأت في المغطس بنهر الأردن يا ايدن وهل صليت الفجر في مسجد الفتح فرد ايدن والدهشة تكاد تصدمه لمعرفة الرجل بما فعله :

– نعم

– إذن على بركة الله وحفظك الرب يسوع ثم قال “مع بداية يومي أشكرك لأنك أتيت لتكون لي حيلة وليكون لي الأفضل” . “أشكرك لان روحك القدوس معي يقودني ويرشدني ويعلمني كل شيء ” ثم قام برسم الصليب مصليا .

   همَّ ايدين بسؤاله إلا انه ابتسم لرجل الكهف وخرج وكان الجو باردا وغائما فلف وجهه بوشاحه الأخضر المطرز بنقوش تعود لعصور قديمة  وانطلق صاعدا الجبل متتبعا آثار أقدام البدو والحيوانات الأليفة .

– سيعود حتما سيعود إلى هنا ، قالت زوجة رجل الكهف

– هل سيعود لأنه لن يستطيع قراءة ما في الصحيفة بدون مسحها بالسائل السحري والذي لم تُعطه إياه؟

– نعم

– ولكن ما الحكمة في عدم إعطائك ذلك السائل العجيب له؟

– لكي يعود بعد أن يسلك الجزء الظاهر من الطريق المرسوم في الصحيفة

– ولكن سؤالي لماذا لم ..

وهنا قاطعته بصوت يدل على أنها تعافت إلى حد كبير قائلة :

– يجب أن يحضر الكتاب الموجود في نهاية الطريق المبين في بداية الخريطة والذي كما تعلم طلبه الشيخ عبد القادر عندما التقيناه أثناء زواج ابنته منذ خمس وعشرين عاما وقال بأن هذا الكتاب من أهم الكتب النادرة ويجب الحصول عليه قبل وقوعه بأيدي الأشرار .

– لقد ذكرتيني بالشيخ عبد القدر إمام مسجد الفتح فقد اخبرني عبد الرحمن الراعي أنه لم يعد قادرا حتى على الذهاب للمسجد وسوف أذهب لزيارته قريبا .

  نتيجة لشدة تعبه وقلة نومه غفا لأكثر من نصف ساعة في كهف صغير على قارعة الطريق فرأى حلما أو رؤيا أخذ في محاولة استعادة أحداثها وتذكر حواره مع ذلك الشاب الجميل القوي الذكي الذي قابله أثناء سيره وكان راكبا حصانه الأبيض حيث ترجل وأقبل نحو ايدن ليقبل رأسه ويديه ويبتسم قائلا بصوت هادئ واثق :

– أنا ابن ذلك الرجل الذي تشاجرت معه عندما أراد أن يملأ دلوه من البئر ليسقي غنمه قبل أن تستطيع الشرب في الواد المقدس بأرض سيناء حيث دفعته وسقط في البئر فأسرعت مبتعدا ولم تحاول إنقاذه فلفظ آخر أنفاسه غرقا . لقد أتيت لأخبرك بأن والدي سامحك وهذه كانت آخر كلماته عندما وصلنا إليه ولكن بعد فوات الأوان وكان يختبر صبرك ويريد منك أن تكون بعد ذلك ضيفه ليزوجك أختي وأنا جئت داعيا لك أن تزورنا في طريق عودتك حيث نسكن على مقربة من ذلك البئر. وأود أن أضيف شيئا آخر ألا وهو .. عندما تزورنا ستعرفه وما استطيع قوله الآن أن والدي كان يعرفك جيدا.

– ماذا؟

– إلى اللقاء يا سيدي

– من أنت ما هو اسمك ؟

وأفاق ايدن من غفوته ماداً يده إلى الصحيفة ليطمئن عليها وجعله فضوله يفتحها ليجدها مكتوبة باللغة الآرامية لغة السيد المسيح ولمعرفته الجيدة بتلك اللغة وبالأسفار ودروبها استطاع أن يحدد موقعه عليها ليبتسم ويطمئن على صحة مسيرته نحو ما يريد بالرغم من أنها ليست المرة الأولى التي يسافر فيها عبر هذه الأماكن .

– ولكن لماذا المسار ليس مكتملا ؟ تساءل ايدن ولكنه سرعان ما وقع بصره على ملاحظة في الجزء الظاهر من الصحيفة . ” يجب أن تصل إلى نهاية الطريق المرسوم وتبحث عن الكتاب..”

– أي كتاب هذا ؟ تساءل مرة أخرى .

لأكمل القراءة..قال ايدن بينه وبين نفسه.

” وعند تسليمك الكتاب للمرأة التي في الكهف ستحصل على السائل الذي يظهر لك بقية الخريطة “.

      طوى ايدن الصحيفة وشرب بعض الماء ونهض متجها إلى بيت المقدس . أثناء سيره كان بين الحين والآخر يرفع يديه إلى السماء داعيا متذللا لرب العالمين إن يوفقه لما يسعى إليه وفي اليوم التالي وقبل المغيب بربع ساعة تقريبا توقفت بجانبه سيارة جيب هامر أمريكية الصنع وهي من دوريات الأمن الإسرائيلية حيث أن ايدن اصبح على مشارف مستوطنة (معاليه أدوميم).

 نزل أحد الجنود واقترب من ايدن وسأله عن اسمه باللغة العبرية فلم يجبه مكتفيا بابتسامة تدل على ثقة بالنفس فسأله الجندي ثانية عن بطاقة الهوية ولكن باللغة العربية هذه المرة فابتسم ثانية ونظر إلى الأرض لبرهة ثم سأل الجندي

– هل باستطاعتي أن أتكلم مع الضابط (شلومو) الذي يجلس بجانب السائق ؟

بُهت الجندي من وقع الصدمة فكيف لهذا الرجل الذي يرتدي أغرب الثياب أن يعرف اسم الضابط المسؤول عنه ؟!

  واتجه الجندي نحو الضابط شلومو ليخبره بما حصل وعلى الفور نزل شلومو ليقترب من ايدن ونظر إليه متفحصا واستقر نظره على يد ايدن اليسرى حيث يلبس فيها خاتمه فابتسم قائلا :

– نحن آسفين على مضايقتك أرجوك أن لا تغضب نحن مثل أولادك وهل نستطيع تقديم أية مساعدة ؟

كل ذلك يحصل أمام الجنود الأربعة وعلامات الاستفهام لا تجد تفسيرا لتصرفات ضابطهم اتجاه ذلك الغريب والذي تدل هيأته على أنه قادم من أعماق التاريخ .

 وبلا مقدمات يسلم الضابط على ايدن ممسكا يده بكلتا يديه ومتمنيا له السلامة ويأمر الجندي الذي لا يزال غير مدرك مع بقية الجنود – ما يحدث أمامهم- يأمره بالعودة إلى الجيب ويحيي ايدن ملوحا له بيده أثناء ابتعاد العربة باتجاه غور الأردن .

  نظر ايدن نظرة متفحصة للجبال التي تقع على الضفة الشرقية من نهر الأردن وابتسم ابتسامة هادئة وحدث نفسه مستحضرا قول الله تعالى ” وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وأتاكم ما لم يأت أحدا من العالمين “ثم اردف هامسا (قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسمعيل واسحق ويعقوب والاسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) ونظر إلى يمينه ليجد المباني التي بنيت بأحدث نظريات الهندسة تحتمي بسياج إلكتروني وكاميرات ومستشعرات ضوئية وجدار يتلوى بين البيوت كثعبان ليس بعصا سحرية ،ولا يوجد يوم للزينة ولا فرعون يتحدى . بجانب السياج يمسك احد الرعاة بنايهِ الحزين ويحاول إبعاد غنمه عن السياج ليكون مع غنمه آمنا وبعيدا عن إطلاق نار يودي بحياته وكان يغني ” يا ظريف الطول وقف تقلك..رايح عالغربه وبلادك أحسن لك .. خايف يا ظريف تروح وتتملَّك .. وتعاشر الغير وتنساني أنا..يا ظريف الطول غايب عن الأوطان ..وفراقك عنا ملّى القلب أحزان ..وارجعْ لأمَّك وارجع للحنان ..ما تلقى الحِنِيِّه غير بِبْلادِنا ..”

اتجه ايدن نحو الراعي وحيّا احدهما الآخر ببرود ولكن الابتسامة ارتسمت على شفاه كليهما ربما من قبيل المجاملة.

– من الضيف الكريم سال الراعي وهو يقترب من ايدن

– ايدن اسمي ايدن أنا من مصر ولدت في ارض الكنانة ولي أصدقاء في بيت المقدس وبيت لحم ومكة المكرمة .

– وما هذه الثياب ؟

– إنها ثيابي وما زالت تسترني وقد سافرت معي إلى بلاد كثيرة وأنا احبها

-عفوا هل لك أن تخبرني عن ديانتك فإنني أرى المسبحة في يدك ولكن ثيابك تشبه ما يلبسه اليهود المتدينين وهذا الوشاح كأنه (طاليت) – وهو شال الصلاة وأحد ثياب الطقوس الدينية اليهودية – وربما تكون قسيسا عموما انت ضيفي اليوم أرجوك فأنا أعيش وحيدا بعد وفاة زوجتي منذ سنتين تقريبا وأصبحت الحياة من دونها بلا معنى .

– إنتظر هنا سأعود خلال دقائق

   وانطلق مسرعا ليأخذ جروا صغيرا من جانب السياج . وأخبر ايدن انه يعطيه لأطفال من مستوطنة معاليه أدوميم يلعبون به نهارا يوم السبت والذي يصادف اليوم ويستعيده مساءا لإرضاعه من امه وهم يضعونه بجانب السياج ويتمكن لصغر حجمه من النفاذ للجهة الأخرى أما إعطاءه للأولاد فيتم عند باب المستوطنه صباحا حيث يعرف الحراس الراعي جيدا .ذلك الجرو الصغير يرجع لصاحبه الراعي بالرغم من كل الدلال الذي يعامل به مع الأولاد حيث يقومون بتنظيفه بالماء والشامبو ويسبح معهم في البانيو ويمشطون له شعره . استغرب ايدن من طبيعة العلاقة بين الراعي والأطفال وهمَّ بسؤال الراعي ولكنه بادر ايدن قائلا:

– أنا لا آخذ مقابلا ماديا يكفيني فقط ان أرى طفلا يبتسم واكون السبب في إسعاده . الأطفال هم البراءة والسلام قبل ان نشوههما نعم ربما هذه الكلمات لطالب في كلية الآداب ولكن مدرسة الحياة يا سيد ايدن تعلمنا الكثير. رؤيتي لطفل وأكون السبب في جعله يبتسم تعدل عندي الدنيا وما فيها ..

– يشرفني أن اكون ضيفك الليلة يا ..

– رحمن عبد الرحمن أجاب الراعي .

– نعم  نعم يستطيع الإنسان إن يتعلم الكثير من الحياة وبالمناسبة الرسول محمد عليه السلام والعديد من الأنبياء قد رعوا الغنم..

– ليتعلموا الرأفة واللطف والتواضع

– وتعتاد قلوبهم على الخلوة ويستطيعون بعد سياسة الأغنام سياسة الأمم .

بعد السير قرابة الساعة في تلك الأرض الوعرة حيث اتجه كلاهما مع الأغنام وثلاثة من الكلاب وصل الجميع إلى خيمة مبنية بالقرب من باب كهف كتب أعلاه باللغة اللاتينية رقم اثنين وقد تم تهيئته لكي يكون ملائما لكي يعيش فيه (عبد الرحمن) الراعي وبهائمة حيث ربط حماره بالقرب من باب الكهف .

توضأ الاثنان وصليا جماعة العشاء وحضّر عبد الرحمن بعض الأكل مجهزا عشاءا متواضعا له ولضيفه ثم حضّر القهوة لنفسه عندما أشار إليه ايدن بعدم شربه للقهوة عندما عرض عليه ذلك.

– هل كانت زوجتك يا عبد الرحمن تعيش معك في هذا الكهف

– كلا كنا نعيش في بيتنا في مخيم (الأمعري) بالقرب من (رام الله) بعد ان قدمنا إليه أطفالا بصحبة من بقي من أهلنا وأقاربنا وهي رحمها الله ابنة عمي الذي كان يعمل ضابطا في مخفر بريطاني في مدينة يافا .

– حدثني عن سبب قدومك إلى هنا

– إن سرد الأحداث التي أوصلتني إلى هنا يجعلني أعيشها مرة أخرى بالرغم من أنني لا استطيع نسيانها وأنا أريد لقاء ربي في سلام حيث أدركت من خلال هذه الحياة التي أحياها إن التفكير المتكرر في ظلم الآخرين لك هو ظلم لنفسك بجعلها مكان ينمو به الحقد والانتقام .إنني املك الدنبا الآن .

– كيف ؟ سأل ايدن مستغربا

– أتحدث كل ليلة مع ربي .. أسبحه وأحمده وأدعوه وأشكو إليه

– تشكو إليه ماذا؟

– حالنا وأطلب منه أن يرسل نبيا

– ولكن ألا تؤمن إن محمدا خاتم الأنبياء والرسل ولا نبي بعده

– وكيف لا أؤمن ؟ ولكن رسالة سيدنا محمد لا يوصلها اتباعه إلى كل الناس انظر إلى اليابان ربما لا يعرفون من هم العرب حتى وأناس كثير في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وغيرها كما ان رسالة محمد وغيره أصبحت مستهجنة لدى شباب الفيس بوك والتويتر وغيره .

– وهل إرسال نبي آخر يحل المشكلة؟

– هل تريد الحق

– نعم

– إن رسائل الأنبياء والرسل لا تصل إلى الأناس المتحضرين حيث أصبحت الأديان والقيم غريبة.

– ماذا تعني ؟

– أريد ان أسالك سؤالا؟

– لماذا كتبت رقم اثنين على باب الكهف ؟

– حتما هناك من يريد أن يكون رقم واحد فتركت رقم واحد له.

– سؤال آخر

– تفضل

– هل تكفي هذه الأرض من يسكنون عليها ؟

– هل تقصد هذه الأرض . الأرض المباركة ارض الميعاد ما بين النهر والبحر

– كلا اقصد ارض الله التي أورثها عباده الصالحين أنا جدا آسف على إطالة الحديث لننام الآن لأنني أصحو اصلي الفجر واذهب لرعى الأغنام وانت إلى أين ستذهب ؟

– إلى سر الأسرار .. عمت مساءً.

اتجه ايدن بعد وداعه لعبد الرحمن الراعي متتبعا الجزء الظاهر من الخريطة نحو جبل الزيتون وهو أعلى منطقة في القدس فتُرى تلك المدينة الساحرة من قمته ويعتقد انه موقع صعود المسيح إلى السماء ومكان قبر مريم العذراء ويوجد به قبر الناسكة رابعة العدوية التي كانت تدعو ربها دون ان ترفع راسها إلى السماء حياءا من الله وقد تصوفت رابعة في جبل الزيتون بعد ما تركت البصرة وهي من أنشدت البيت الشهير :

أحبك حُبَّيْن حب الهوى   وحباً لأنك أهل لِذاكَ

 ويربط النفق الذي يشق الجبل وسط المدينة بمستوطنة معاليه أدوميم وبه العديد من قبور اليهود وقبر (زكريا) عليه السلام .

  بدأ ايدن بالمشي جيئة وذهابا في اتجاهات مختلفة إلى أن استقر به الحال إلى الجلوس على كرسي خشبي يطل إطلالة رائعة على سحر المدينة التي يدور العالم حولها والتي كانت آخر مكان اتصل بالسماء. المدينة المقدسة التي تستمد أهميتها لكونها ملتقى الحضارات وعلى ترابها تم دفع أغلى الأثمان والأرواح مهرا لسيدة المدن .

  بدأ ايدن في تأمل سمائها وجبالها وقبابها وأبراج كنائسها وبيوت كُنُسها ومعابدها وطرقاتها وشجرها وقبورها وأهلها وعصافيرها ومد يده ليرتشف بعض الماء في حضرتها ليكون مذاقه أحلى من العسل وأثناء ذلك يصل إلى مسامعه صوت ( الشوفار ) وهو أحد الأدوات الطقسية التي يحتفظ بها اليهود في معابدهم وهو عبارة عن قرن كبش ينفخ فيه في صلاة الصباح في الشهر السابق لعيد راس السنة العبرية وفي يوم العيد نفسه وفي يوم الغفران ومن الضروري أن يستمع اليهودي في راس السنة لتسع نفخات ولكن ينفخ ثلاثين نفخة منعا للشك وفي المعبد ينفخون مائة مرة .

     تصادف وقت وصول ايدن إلى بيت المقدس مع رأس السنة العبرية الذي يكون غالبا في شهر أيلول ومع صوت الشوفار يعود الشريط السينمائي إلى مخيلة ايدن بصور مختلفه . يجد ايدن نفسه مهرولا مع جموع بني إسرائيل نحو البحر الذي انفلق بضربة من عصا ذلك النبي فتنجو أسباط اليهود ويغرق الفرعون ينظر ايدن ويهمس يا للهول اثنا عشر طريقا في البحر يطمئن كل سبط على الآخر من خلال النوافذ التي فتحت بناءا على طلب بني إسرائيل ثم يصنع موسى السامري الذي رباه جبريل عجلا من الذهب الذي أخذته نساء بني إسرائيل من النساء الفرعونيات ويجع موسى الذي رباه فرعون غاضبا ويبدأ التيه فيموت موسى أثناء ذلك . يشعر ايدن بثقل المعلومات التي تتزاحم صانعة أمام عينيه عودة للماضي يمر كشريط سينمائي بسرعة ويحاول التركيز بلا جدوى في تلك اللقطات التي تكون في أشد الوضوح أحيانا وتكون ضبابية أحيانا أخرى ثم يرفع يديه متضرعا داعيا وتقع عيناه على طفل تحمله أمه المتعبة بجانبه ويشير له بيده مداعبا ويطلب من أمه أن يساعدها في حمله فتجيب أنها بخير .

      ايدن يستمع إلى سؤال النبي سليمان عن الهدهد ويشاهد بكل عجب توالي الأحداث حتى يكاد يُغمى عليه عندما يحضر الذي عنده علم عرش بلقيس إلى بيت المقدس قبل أن يرتد إلى الملك النبي طرفه فيهمس لنفسه سبحان من علم الإنسان ما لم يعلم .

    تمتد يد ايدن ليجمع بعض الحصى وصورة أبو الأنبياء يمتثل لأمر ربه ويهم بذبح ابنه على جبل موريا في القدس وهو الجبل الذي بني عليه الحرم القدسي كان ذلك في رأس السنة العبرية ويكافئه الله ويفدي ابنه بكبش عظيم .  يبتسم ايدن وهو يعيش حقائق الماضي وهي تحتضن سحر الحاضر على مشارف بوابة السماء.

    -هل باستطاعتنا الجلوس بجانبك فكل المقاعد مملوءة ؟ سأله (آدم) وبصحبته زميلته في الجامعة العبرية بالقدس .

– نعم نعم تفضلا . أجاب ايدن بكل سرور وأفسح لهما ليجلسا بجانبه.

مضت دقائق قليلة قبل أن يبادر ايدن بالسؤال :

– هل أنتما من القدس ؟!

– أنا يا سيدي أدعى (ليزا) من (الناصرة) . ردت لكونها جالسة بمحاذاة ايدن وآدم صديقي وزميلي في كلية الطب بالجامعة العبرية بالقدس وهو من (يافا).

– تشرفت بمعرفتكما وآسف لفضولي في طرح الأسئلة عليكما

– أبدا يسعدنا التعرف عليك قال آدم وأضاف ..تبدو مرهقا ومتعبا هل تشكو من شيء ؟.

– هل تريد أن تمارس عليَّ دور الطبيب يا دكتور آدم

– العفو منك أجاب آدم بخجل

وكأن سؤال آدم كان مقدمة تنبأ فيه لما حدث فجأة لايدن حيث شعر بدوران وسقط مغشيا عليه .

– أعطني زجاجة عطرك يا ليزا بسرعة قال آدم

– لحظة واحدة من فضلك

حاول آدم جعل ايدن يستنشق رذاذ العطر الذي رشه بالقرب من فتحات أنفه .

وكان رد الفعل مخيبا لآمال آدم وليزا والناس الذين تجمعوا حولهم وقد طلب أحدهم الإسعاف مباشرة فور رؤيته ايدن يسقط مغشيا عليه.

صرخ آدم .. الإسعاف رجاءا أطلبوا الإسعاف فرد عليه أحدهم إن سيارة الإسعاف في طريقها إلى هنا .

  رافقيه يا ليزا في السيارة وأنا سألحقكم بسيارتي ،فقط أخبريني إلى أية مستشفى سيقرر السائق فربما يغير اتجاهه فجأة حسب الحالة وتطورها قال آدم لليزا وهو يتصبب عرقا بعد أن ساعد من في سيارة الإسعاف في نقل ايدن إلى داخلها وأراهم أنه طبيب في سنة التدريب .

– حاضر سأعتني به طوال الطريق ردت ليزا وقد صعدت بسرعة لترافق ذلك الغريب عن الديار إلى المستشفى.

  اتصلت ليزا بآدم لإخباره أنهم في طريقهم لمجمع (أوغستا فيكتوريا) وهو مجمع وكنيسة يقع على الجانب الجنوبي من جبل الزيتون وقد تم بناءه من قبل مؤسسة الإمبراطورة أوغستا فكتوريا .

 بعد وصولهم بدقائق وصل آدم وتم إسعاف ايدن في قسم الطوارئ ولكن الإشكالية بدأت بعد انتهائهم من إجراءات الإسعاف لتبدأ إجراءات لها أول وليس لها آخر حسب كلام ليزا وتلك الإجراءات تتمحور حول من هذا الغريب وهو لا يحمل بطاقة هوية أو أي إثبات يدل على شخصيته حتى وصلت الأمور لتدخل مدير المستشفى الذي حضر إلى قسم الطوارئ وعندما رآه لفت نظره ذلك الخاتم المميز في يده اليسرى ، ابتسم له ودعا الرب أن يشفيه وطلب نقله للرعاية إلى أحد الأجنحة ولكن ايدن اعتذر وقال له أنه يجب عليه الخروج لمواصلة مهمته فابتسم مدير المستشفى وأمسك بكلتا يديه يد ايدن وقبلها وطلب من مسؤول الإسعاف إيصال ايدن إلى حيث يريد فاستأذنهم آدم في السماح له ولصديقته ليزا أن يقوما بذلك.

   ركب ثلاثتهم آدم وليزا وايدن سيارة ( السوبارو) الزرقاء  سأل آدم ايدن :

– إلى أين يا سيد ايدن تريد الذهاب

فأجاب ايدن أنزلني عند (بوابة دمشق) أو ما يسمى (بباب العمود) لو سمحت .

– حاضر ولكن هل لنا بتناول شيء في الطريق إلى هناك فالمسافة لن تأخذ أكثر من خمسة عشر دقيقة

– أرجوك يا سيد ايدن لا ترفض طلب آدم قالت ليزا

– أنا موافق ولكن طعام خفيف

وهنا قالت ليزا :

– من الأفضل لنا يا آدم أن نسلك شارع (مارتن بوبر) ثم طريق (الطور شموئيل بن أدايا) ثم إلى طريق( السلطان سليمان) عموما لقد جهزت الموقع فضع موبايلي أمامك

– أشكرك يا ليزا أنتِ دائما من يدلني على الأماكن والشوارع

وقاطعه الشيخ قائلا:

– أعتقد أنني غيرت رأيي فهل من الممكن الذهاب إلى مغارة سيدنا سليمان أو كما تسمى اليوم بمغارة (صديق ياهو) .

– نعم نعم أجابت ليزا بسرعة وأردفت..

– المغارة بنفس طريقنا

ثم قالت :

– آدم رجاءاً بعد أقل من خمس دقائق هنالك مطعم يقدم أحلى وألذ حمص وفلافل وكعك سمسم في البلد.

وقبل وصولهم طلب ايدن منهما أن يجدوا بالقرب من جانب الطريق شجرة زيتون ليفترشوا الأرض في ظلها ويجلسوا لبعض الوقت وفور انتهائه من سؤاله قالت ليزا بصوت عال مملوء بالفرح والسعادة :

– آدم لو سمحت ها هو حقل زيتون لنقف هنا

– حاضر

فقال ايدن لو سمحتما لنجلس تحت الشجرة الرومية -كان يقصد أنها مزروعة في عهد الرومان – التي هناك ،وأشار بيده إلى تلك الشجرة التي يستطيع شخص بالغ أن يجلس بكل راحة في الفراغ الذي يشكله ساقها والذي يسمى باللغة الدارجة (بوق الزيتونة) .

توجه الجميع بعد أن أخذت ليزا سجادة قديمة من شنطة السيارة ليجلسوا عليها تحت الزيتونة.

اتجه ايدن مباشرة نحو ساق الشجرة واحتضنه وتسابقت دموع عينيه لتبلل خديه وتلامس ساق تلك الشجرة التي يحبها ايدن . لقد طال احتضان ايدن للزيتونة لدرجة أن آدم وليزا اعتقدا انه حصل له أمر ما . وضعت ليزا أصابع يدها بهدوء على كتف ايدن قائلة :

– سيد ايدن هل كل شيء على ما يرام

فالتفت إليها مبتسما والدموع تملؤ عينيه وتبلل خديه وذقنه وقال بصوت هامس هادئ:

– كل شيء على ما يرام وأفضل من ما أريده يا ابنتي إنني أشعر أنني احتضن العالم وأحتضن حبيبتي التي أشتاق إليها أكثر عندما أراها . أعلم أنها يا أولادي تلومني وتلوم من يسكن الأرض المباركة بلا استثناء لأننا لا نراها كما ترانا ولا نحبها كما تحبنا . أنظرا إلى وجها الذي يحتضن كل الدنيا كم هو مشرق يفيض بالحنان والحنين . دعونا نجلس في محراب الشجرة التي باركها الله حيث قال :

(الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقَد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم نمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم ) .

فترة من الصمت تمر وعيون الثلاثة تبحث في فضاء ذلك الحقل الذي اعتنى به مالكه بشكل جيد ثم قالت ليزا بصوت هادئ :

– سيد ايدن هل يمكنني السؤال عن شيء؟

– تفضلي يا ابنتي .أجاب ايدن

– لماذا أرسل الله كل هؤلاء الأنبياء ؟ وأصبح من يتبعهم يتناحرون ويقتل بعضهم بعضا حيث يحاول أصحاب كل دين جعل دينهم هو السائد كما أنهم يستغلون الدين كقناع ليلتف حولهم البسطاء ويجرونهم الى معارك وحروب لا يعلم الا الله نتائجها ؟

مرت دقيقة صمت قبل أن يجيب ايدن على سؤال ليزا ثم أخذ بيده حفنة من تراب الحقل الأحمر الذي يمنح الدفء لجذور الزيتونة التي يعشقها . أخذ حفنة التراب لا ليساعده على الإجابة على سؤال ليزا ولكن ليجد نفسه أكثر قربا للأرض المباركة أرض المحبة والسلام وأرض الأنبياء والمرسلين .

– يخبرنا العلامة الشيخ الشعراوي في خواطره بما معناه أن المنهج الأول أرسله الله على سيدنا آدم متضمنا كل ما يجعل الحياة تسير بانسجام وبلغ آدم أولاده هذا المنهج كما علمهم أمور حياتهم مثلما يعلم الأب أبناءه وبدورهم يعلمون أبناءهم ويتواصل ذلك من جيل إلى جيل ولكن مع توالي الزمن وتتابعه نجد أن بعضا من مطلوبات الدين يتم نسيانها فيغفل الناس عن المنهج وذلك يتم على مراحل فهذا تلومه نفسه عل خطيئته وذلك يستمرئ الخطيئة فيحتاج غيره لينبهه إلى الخير وإذا زاد هؤلاء أصحاب النفس الأمارة بالسوء فمراد الله هداية الناس لذلك يجب إرسال نبي لتوجيههم للطريق المستقيم فعندما يمنع الله يد واحد من السرقة مثلاً فهو في الوقت نفسه يمنع أيدي الملايين أن تسرق من هذا الإنسان .

– وفي هذا حماية لكل البشر .. أضافت ليزا

– نعم بالطبع يجب أن لا تأخذ التشريع على أنه مطلوب منك ولكن مطلوب منك وكذلك لك أيضا . إن المنهج الذي جاء به كل الرسل لا تناقض فيه لأن في هذا المنهج مصلحة لجميع الخلق . إن أتباع الرسل هم الذين يريدون لأنفسهم سلطة زمنية يتحكمون بها في الدنيا إذن فالخلاف لا يحدث إلا حين توجد أهواء لها سلطات زمنية ، إن منهج الرسالات هو منهج متساند وليس متعاند . الأنبياء يشهد بعضهم على بعض ويشهد الأنبياء على أممهم ثم شهادة الله على الأنبياء وما دام الأمر هكذا فإن وجود دين سابق يتعصب أمام دين لاحق بعد أن يأتي هذا الدين بالمعجزة الدالة على صدق بلاغ رسوله عن الله فذلك يعني خيانة القضية والمنهج .

– لماذا .. سأل آدم

– لأن الله يريد ان يحتفظ للدعوة إلى الإيمان بانسجام تام فلا يتعصب رسول لنفسه ولا لقوميته ولا لبيئته ولا يتعصب أهل رسول لملتهم لأنهم جميعا مبلغون عن إله واحد لمنهج واحد .

كان آدم وليزا يهزان برأسيهما بالموافقة والإعجاب أثناء حديث ايدن ثم أنهى ايدن كلامه قائلا :

أنا آسف حيث أطلت عليكما دعونا نكمل طريقنا وأشكركما عل منحي الفرصة لأعبر عن إشتياقي لمن احب .

اتجه ثلاثتهم نحو السيارة وبعد وقت ليس بالطويل أوقف ايدن سيارته بجانب المطعم وساعدت ليزا ايدن في النزول من السيارة وجلس الجميع لتناول الطعام وكان من الملفت للنظر أن ايدن كان جائعا جدا لدرجة أن ليزا طلبت له قبل أن يسأل طبقا آخر عندما انتهى من طبقه قبل الجميع.

 عند الظهيرة توارد لسمعهم صوت أجراس الكنيسة القريبة من المطعم وهنا توقف ايدن عن الأكل قائلا :

– إن قرع الجرس ليس بغرض النداء فقط بل لتذكيرك أنك ستواجه الرب وهذا يعني  مواجهة النظام والقوانين الحتمية ، الجرس معناه العثور على الضالة وهو الهداية ، إن الجرس يدق لكل شخص ليجد طريقه للإله .

  وهنا أي على أثر قرع الأجراس بدأ الشريط السينمائي عرضه ليجد ايدن نفسه مع

  الجمع الكبير من الناس والنساء يولولن ويندبن المسيح في طريق الآلام متجهين إلى تلة الجمجمة – وبالعبرية الجلجثة ومعناها العارية – لصلبه ويستمع إلى يسوع بعد أن التفت للنسوة وقال : ( يا بنات أورشليم لا تبكين علي بل ابكين على أنفسكن وأولادكن ستجيء أيام يقال فيها هنيئا للواتي ما حبلن ولا ولدن ولا أرضعن ويقال للجبال اسقطي علينا وللتلال غطيننا فإذا كانوا هكذا يفعلون بالغصن الأخضر فكيف تكون حال الغصن اليابس ؟)

– يا سيد ايدن هل أنت بخير قالت ليزا بعد أن رأت ايدن يتوقف عن الأكل ويعيش لحظات تجمعه بما يشاهده ويعيشه عند الآذان وعند قرع الأجراس وعند سماع الشافور .

– ماذا ؟ يبدو أنني ..

ايدن يجد نفسه بصحبة النبي نوح فها هو يعتلي السفينة التي سخر قوم نوح منه كثيرا أثناء بنائها في مكان لا توجد فيه قطرة ماء ، لقد استمر في دعوة الناس تسعمائة وخمسون عام ولم يؤمن به سوى ثمانين شخصا ومن الذين كذّبوه ولم يؤمنوا به  ابنه ( يام ) أو( كنعان ) الذي وصفه الله بأنه عمل غير صالح وكذلك زوجته (واغله) .

     كانت الإشارة المنتظرة من الله ان (يفور التنور ) أي يخرج الماء من شيء اشبه بفرن الخبز والتي سبقها ان يحمل معه في السفينة من كل زوجين اثنين وفي الساعة المحددة حدث الطوفان لتغرق الأرض كلها. أربعون يوما متواصلة من الأمطار والسيول ولم يتبق على سطح الأرض سوى تلك السفينة ومن عليها ( من كل زوج اثنين ) ليبدأ الخلق من جديد عندما ترسو السفينة .

– أنا آسف يا أبنائي يبدو أنني متعب

– لا بأس سيد ايدن قال آدم وأردف:

– ما زلتَ بحاجة للراحة

– أنا بخير  إطمئنا هل وصلنا إلى (بوابة دمشق) أقصد مغارة سيدنا سليمان؟

نظر كل من ليزا وآدم أحدهما للآخر في استغراب وأدرك ايدن أنهم ما زالوا في المطعم فقال :

– أنا آسف ربما مشوش قليلا لا أدري ولكنني سأكون بخير

وبعد انتهائهم من تناول الطعام ومحاولتهم إقناع ايدن باستضافتة عندهما واعتذاره عن ذلك استقلوا السيارة مرة أخرى .

  كانت الفسيفساء المتشكلة من تداخل واختلاط منازل القدس الحديثة والقديمة لوحة تنفرد بها مدينة السلام وقد كان للون القرميد الأحمر واللون الأحمر البني نتيجة القدم وعوامل الطبيعة أثرا مريحا على حالة ايدن النفسية وكان يتأمل الأشجار الضاربة جذورها في باطن الأرض المباركة والتي يتجاوز عمرها مئات السنين أشجار التين و الزيتون  والسرو والصنوبر والجوز واللوز والتوت  تشكل الحضن الدافئ لطيور الهدهد والحمام والبلبل والسمان مثلما تحتضن شقوق أسوار المدينة وبيوتها القديمة أعشاش طيور الدوري وبعض النباتات . النسمات المنعشة والتي تمر من خلال النصف الأعلى المفتوح لشباك السيارة لتغمر وجه ايدن بحنان . الأبراج والقباب كل ذلك يجعل ايدن دائم الابتسام يعيش حقيقة الحلم الجميل . هذه المدينة هدية من السماء ويشعر ايدن أنها أقرب مكان على سطح الأرض من السماء ماديا ومعنويا .

سأقص عليكما قصة سيدنا الخضر ونبي الله موسى عليه السلام هل سمعتما بها ؟ سأل ايدن .

– كلا يا سيدي أجابت ليزا وكذلك آدم قال لم نسمع بها تفضل يا سيدي

  “قال نبي الله موسى عليه السلام لفتاه (يوشع بن نون) عن نيته في الخروج إلى مجمع البحرين لكي يلتقي الرجل الصالح وهو( الخضر)، وذلك لأن موسى خطب يوما في بني إسرائيل وسألوه عن أعلم أهل الأرض فأخبرهم بأنه هو، فعاتبه الله تعالى لأنّه لم يُرجع الفضل لخالقه، وأخبره بأن من أعلم منه موجود في مجمع البحرين، وعندما سأل موسى ربّه عن كيفية الوصول إليه، أمره الله تعالى أن يخرج ويأخذ معه حوتاً، وفي المكان الذي يُفقد فيه الحوت يكون الرجل الصالح، فانطلق موسى -عليه السلام- ومعه فتاه يوشع والحوت، وعندما بلغا الصخرة غلبهما النّعاس فناما، فخرج الحوت من مكانه وهرب إلى البحر، ثمّ استيقظ موسى -عليه السلام- وتابع مسيره في البحر دون أن يتفقّد الحوت، وبعد ذلك تعب موسى ويوشع وشعرا بالجوع فقال موسى لفتاه بأنّه يريد أن يأكل، فتذكّر الفتى أمر الحوت وقال له بأنّه نسي الحوت عند الصخرة وأنّ ذلك من الشيطان، فعاد موسى -عليه السلام- إلى المكان الذي فقد فيه الحوت فوجد العبد الصالح . وجد رجلاً حوله عشب أخضر فسلّم عليه وعرّف عن نفسه، فعرفه الخضر وقال له بأنّه موسى نبي بني إسرائيل، ثمّ نظر إلى البحر وإذ بطائر أخذ القليل من الماء بمنقاره، فقال الخضر: ما علمي ولا علمك بالنسبة لعلم الله إلّا كما أخذ هذا الطائر من البحر، فبادره موسى -عليه السلام- بطلب العلم عنده، فقال له الخضر بأنّه لن يستطيع أن يصبر، وقال ذلك لأنّه يعلم أنّ موسى -عليه السلام- لا يسكت عن الإنكار على مخالفة الشرع لأنّه معصوم ، ولكنّ موسى تعهّد له بأن لا يعصي له أمراً، وأن لا يسأله عن شيء يفعله حتى يُفسّره له، فوافق الخضر على ذلك، وبدأت الرحلة وعندما أرادوا أن يعبروا البحر ركبوا في السفينة، فجعل الخضر فيها ثُقباً ووضع فيه وتداً، فغضب موسى وقال للخضر بأنّه سيكون أول الهالكين لأنّه أراد هلاك الناس في السفينة، فذكّره فتاه (يوشع) بالعهد الذي قطعه فتذكّر ثمّ قال له الخضر ألم أقل لك إنّك لن تصبر على رفقتي، فاعتذر منه وقال لا تلمني بما قلت، وهنا قالت ليزا عفوا يا سيد ايدن إنها قصة ممتعة لو سمحت يا آدم أوقف السيارة في الموقف حتى نتمكن من سماع بقية القصة.

– حاضر أجابها آدم أكيد أكيد أريد أن أعرف نهايتها ها قد وقفت أكمل يا سيد ايدن لو سمحت.

  ” وما أن وصلوا إلى الساحل حتى وجدوا مجموعة من الفتيان يلعبون فأخذ الخضر أحدهم فقتله ، فغضب موسى -عليه السلام- وقال له هل قتلت نفسا بريئةً من دون ذنب، إنّ هذا لأمر فظيع، فذكّره الخضر بالعهد وقال له ألم أقل لك أنّك لن تصبر على ما أفعل، فاعتذر منه موسى -عليه السلام- وطلب منه فرصةً أخيرةً وقال له إن سألتك عن شيء بعدها فلا ترافقني، ثمّ تابعوا رحلتهم حتى دخلوا على قرية مسّ أهلها الجوع والتعب فطلبوا من أهلها بعض الطعام فلم يطعموهم شيئاً، ثمّ وجدوا جداراً لأحد البيوت قارب على الانهيار، فأقامه الخضر فتعجّب موسى -عليه السلام- من ذلك وقال له لو أنّك أخذت منهم أجر عملك لكان خيراً لك، فقال له الخضر سنفترق وسأخبرك بتفسير الأعمال التي لم تصبر عليها . حيث إنّ السفينة كانت لأناس مساكين يعملون في البحر وكان هناك مَلك ظالم يأخذ أفضل السفن غصبا ويترك السفن التي فيها عيب أو نقص فلمّا رأى الثقب الذي صنعته تركها لهم ، وأمّا قتل الغلام لأنّه كافر وسيُتعب والديه بكفره وعناده وكِبَره وإن ضرر موته على والديه أقل مفسدةً ممّا سيفعله بهما لو كان حياً وإن الله سيبدلهما بولد مؤمن يُدخل السرور على قلبيهما ، وأمّا الجدار الذي في القرية فتحته كنز لولدين يتيمين كان أبوهما مؤمناً وصالحا ، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يبقى الكنز تحت الجدار القديم ولا ينهار حتى يبلغا سنّ الرشد”. هذه نهاية القصة قال ايدن:

– الكثير من الدروس يمكن تعلمها من القصة قالت ليزا وليس كل ما نراه يجب أن نفسره بعقولنا ومعلوماتنا التي لا تقارن بعلم الله .

– نعم نعم أضاف آدم كما أن الحكم على ظواهر الأشياء خطأ

فابتسم ايدن وقال:

– بارك الله فيكما وفي أعماركما

– سآتي معك يا سيد ايدن لأحضر لك تذكرة دخول المغارة قالت ليزا

– أشكرك يا ابنتي ولا أعرف كيف أرد لكما جميلكما هذا

– نحن سعداء بخدمتنا لك يا سيد ايدن قال آدم وأخرج قلما وورقة صغيرة من جيبه ليكتب رقم جواله ورقم جوال ليزا ويعطيه لايدن راجيا منه أن يتصل بأي أحد منهما في حالة احتياجه لأي شيء طارئ .

لوح ايدن لليزا وآدم مودعا وشاكرا بعد أن أعطته ليزا تذكرة الدخول للمغارة ومد يده على الفور بعد دخوله البوابة الأمنية الموجودة على باب المغارة ليخرج الصحيفة من صدره ويشير بأصبعه إلى مكانه على الخريطة ويهمس الآن سوف أذهب إلى الأسفل لمسافة مائة وخمسين مترا ثم بعد نزول الثلاث درجات أتجه يسارا ثم خمسون مترا بعد البوابة ثم أحفر هناك . ولكن يجب أن أكون حريصا بأن لا يشاهدني أحد للخروج من الطريق المخصص للزائرين  والاتجاه إلى اليسار .هذه المغارة تحمل الكثير من الأسرار ويبلغ طولها المكتشف مائتين وخمسين مترا وأعلى ارتفاع يصل إلى خمسين مترا ويعتقد أن أنفاقها تصل إلى قبة الصخرة المشرفة وهناك من يعتقد بوصول نفق هرب عبره الملك اليهودي ( صديق ياهو) إلى (أريحا) .

  اتجه ايدن بخطوات متثاقلة تدل على تعبه نحو أسفل المغارة وعند وصوله إلى السلم وفور انتهائه من نزول الدرجة الثالثة اتجه يسارا متخطيا الأسلاك المثبتة على جانبي الممشى الخاص بالزائرين ولحسن حظه كان انشغال موظف مراقبة الكاميرات بشحن هاتفه سببا لعبور ايدن ذلك النفق دون أن يراه أحد . وهذا النفق موجود خلف بوابة قديمة حيث ضوء المصابيح أخذ يتلاشى شيئا فشيئا كلما تقدم ايدن في السير داخل النفق حتى انعدمت الرؤيا تماما وبدأ ايدن في الاعتماد على يديه للمضي قدما مسافة الخمسين مترا التي حددتها الخريطة بين البوابة والمنطقة التي سيحفر فيها للحصول على مبتغاه .

  سار ايدن ببطيء شديد محاولا في تلك العتمة تحديد المسافة المحددة للوصول إلى هدفه . وبعد سيره مسافة عشرين مترا تقريبا اضطر للعودة ثانية إلى البوابة لعدم تأكده من عدد الخطوات التي خطاها والتي تقدر كل منها بالمتر كما انه انتزع خشبة من البوابة لتساعده على الحفر .

وصل ايدن إلى المكان المحدد، وما زاد من تأكده أن المكان هو المطلوب وليس غيره هو ذلك الشعاع الرفيع القادم مخترقا الصخور ليضيء مكانا قرر ايدن أن يحفر فيه.

وفجأة سمع صوتا لامرأة تقول لرجل بدا أنه أحد الحراس للمكان

– لقد رأيت رجلا يدخل إلى هذا النفق

– ولكنك تعلمين أن الدخول إلى هنا ممنوع والمكان غير مضاء وخطر

– أنا متأكدة من ذلك ردت السيدة

– دعينا نرى قال الحارس

   ضوء الكشاف الذي يحمله الحارس بدأ يقترب شيئا فشيئا وأنفاس ايدن تعلو وصدره يضيق ويده التي تمسك الخشبة ولم تحفر إلا القليل أخذت ترتجف حتى سمع من في النفق صوت سقوط أحد الحجارة الذي تدحرج نحو الحارس فتفاداه ليصيب كعب السيدة التي معه بشدة ويدميه مما جعل الحارس يحمل السيدة ويذهب بها نحو مدخل المغارة لطلب سيارة الإسعاف ويخبر زميله بأن هذه السيدة أرادت بفضولها اكتشاف النفق ومعرفة إلى أين يؤدي باختلاق قصة دخول رجل إلى هناك !.

    تنفس ايدن الصعداء وتابع الحفر ليجد صندوقا قديما بداخله كتاب ملفوف بعدة طبقات من الجلد والقماش ومعه مفتاح بحجم الأصبع فأخذه وخبأه وهم بالخروج ولكنه أعاد دفن الصندوق في الحفرة وأخذ معه قطعة الخشب ليضعها بجانب البوابة ويتابع طريقه بصحبة الزوار إلى النهاية فيبتسم للحارس الذي يراقب من يدخل وهو بالمناسبة نفس الحارس الذي أخبرته السيدة بوجود ايدن في النفق .

   الوقت ما يزال مبكرا للعودة لسيدة الكهف ليعطيها الكتاب .

في هذه الأثناء كانت سيدة الكهف تشعل الموقد لتغلي بعض الميرمية وذلك لشعورها بمغص لم يجعلها تستطيع الاستغراق في النوم الليلة السابقة عندما اقترب منها زوجها فقالت له بصوت سعيد بعد احتضانه إن ايدن بخير وسنراه قريبا .

 ينظر ايدن إلى جهة الغرب ويسير متجها إلى بوابة يافا أو باب الخليل والتي حسب الخريطة التي اشتراها من كشك بالقرب من مطعم مر به بعد دقائق من خروجه من مغارة سليمان تقع في ذلك الإتجاه وتبعد ربع ساعة مشيا على الأقدام كما أنه اشترى كعكة بالسمسم مع بعض الملح والدقة المحلية.

  الطريق الذي سلكه ايدن كان ينقله بدون أن يشعر عبر نفس الهواء الذي يتنفسه ومن خلال خطوات لا يفصلها جدار وتطبعها الأقدام على وجه الأرض المباركة وكان الأطفال في الحدائق التي تتظلل بسور المدينة الذي بناه سليمان القانوني يبتسمون سمرا وبيضا فشكل الابتسامة لا يعكس لون البشرة ولا يتغير معه ولا يحدد هوية صاحبها .

  عناق التاريخ والحاضر والمستقبل يرتسم واضحا وآسرا وهامسا  في القدس ،هذا هو تماما ما يشعر به ايدن مع كل خطوة يخطوها ومع كل نفس يتنفسه ولا يجد وإن حاول رائحة لدماء من ضمتهم القدس ومن من أجلها كان الموت أحب إلى أنفسهم من الحياة. إنه لا يسمع أنينهم وصراخهم ولا عويل نساءهم فكل ذلك يذوب كقطعة سكر في حبات الندى التي تضيء وتزين ورود وأزهار شقائق النعمان وعصا الراعي ، ويرى أزهارا وورودا لا تنتمي لهذه الأرض ولكنها زادت الأرض جمالا وجعلت من يعرفونها يحبون أرض فلسطين أكثر وأكثر .

   يقترب ايدن من طائر في الحديقة التي يمر منها ويرمي له بعضا من كعكته فيأتي الطائر نحوها بلا خوف ويأكلها ويطلب المزيد فيعطيه ايدن ويرفع يديه شاكرا وداعيا لكي يحفظ الله النعمة ويديمها ويحفظ زهرة المدائن . إنه يشعر بحب عظيم يحيط به من كل جانب وكأن نور الله قد سكن في كل ما ينتمي إلى بيت المقدس .تلمس أصابع يد ايدن اوراق شجرة بجانب السور وقف يتظلل تحتها لبعض الوقت فيشعر بالدفئ ويغمض عينيه منتشيا ومرتحلا إلى سعة خياله الذي أراه مدينة السلام وكأنها مركز الكون وكل المدن تدور حولها والناس كالورود يحملون شموعا من نور يضيئون فضاء الكون والأنبياء يرفعون أيديهم يدعون ويبتهلون لخالقهم بلباسهم الأبيض الناصع وأجنحتهم التي يحلقون بها مرورا بتاريخ البشرية منذ الخلق الأول وحتى وصولهم إلى الجنان التي تجري من تحتها الأنهار . ينبه ايدن صوت طفل صغير يطلب منه أن يساعده في إحضار طائرته الورقية التي تشابكت خيوطها مع أغصان الشجرة .

   عندما أصبح ايدن على بعد خطوات من باب الخليل جلس على مقعد خشبي في جانب الحديقة وتفقد الكتاب والمفتاح والخريطة التي نظر إليها متفحصا ليجد أن نهاية الجزء الظاهر منه عند موقع دفن الكتاب.

    سأعود إلى الكهف هذه الليلة لأتحرك الآن وأصل قبل حلول الظلام حدث ايدن نفسه مضيفا يجب علي أن آخذ سيارة أجرة فالمسافة بعيدة!

  استقل ايدن سيارة أجرة بعد أن سار نحو المحطة الموجودة على بعد خطوات من مقعده في الحديقة.

– إلى أين سأله السائق باللغة العبرية

– أريحا أقصد في الطريق إلى أريحا ليس بعيدا عن معاليه أدوميم أنا سأخبرك عند وصولنا إلى هناك أجابه ايدن باللغة العبرية أيضا ولكن باللهجة الشرقية .

– تمام قال السائق وعيناه تتفحص ذلك الجالس في الكرسي الخلفي ويرتدي ملابسه الغريبة .

– هل هنالك شيء؟

– كلا يا سيدي إنني فقط أنظر إلى السيارات القادمة من الخلف

هز ايدن رأسه متقبلا تفسير السائق لنظراته الغريبة والمتفحصة له.

انطلقت سيارة الأجرة الصفراء في رحلة تستغرق ثلث ساعة وبعد مرور أكثر من عشرة دقائق كان مستشفى (هداسا) والجامعة العبرية على يمين السيارة .

قال السائق الذي كان يرتدي على رأسه قبعة سوداء أو ما يسمى( الكيبّاه) وهي غطاء رأس صغير مستدير الشكل يرتديه الرجال اليهود الأرثوذكسيون طيلة الوقت توقيرا لله حيث لا يجوز ذكر اسم الرب على فم من كان رأسه مكشوفا حسب معتقدهم :

– هل ترى هناك الجامعة العبرية

– نعم نعم أبنائي يدرسون الطب فيها ..كان يقصد بأبنائه ليزا وآدم

فالتزم السائق الصمت حيث لم يجد مجالا للاستمرار في الحديث مع ايدن.

  أخرج ايدن الخريطة التي اشتراها من الكشك وبعد تفحصها نظر إلى السائق وقال :

– لو سمحت أرجو أن تنعطف نحو اليسار قبل (تقاطع معاليه أدوميم)

– حاضر يا سيدي

وبعد مضي ربع ساعة طلب ايدن من السائق التوقف في مكان خال من البشر والمنازل فقال له السائق:

– هل أنت متأكد أنك تريد النزول في هذا المكان

ابتسم ايدن قائلا:

– نعم وأشكرك تفضل الأجرة .

 غادرت سيارة الأجرة المكان والسائق يكرر النظر إلى الخلف وهو لا يزال غير مصدق أن ايدن نزل في المكان الصحيح .

  وصل ايدن إلى الكهف المنشود قبل مغيب الشمس بوقت ليس بالقصير فرحب به رجل الكهف الملقب بالجبلي وزوجته التي قالت بعد أن أحضرت سائلا شفافا في قارورة مقفلة بالفلين وموضوعة في كيس جلدي قديم :

– تفضل.. بهذا السائل تستطيع أن تُظهر بقية الطريق لتصل إلى مبتغاك

– أشكرك وهذا هو الكتاب الذي تريدينه

– إن زوجي سيرافقك لتلتقيا بالشيخ عبد القادر فهو مريض ومن الواجب زيارته ومن ثم إعطائه هذا الكتاب

وماذا عن هذا المفتاح الذي وجدته مع الكتاب

وهنا تدخل زوجها قائلا

– احتفظ بالمفتاح فإنك ستحتاجه أثناء انتقالك وفقا للخارطة التي ستبدو واضحة بعد أن تمسح عليها بالسائل السحري الموجود في الزجاجة . هيا بنا فالشيخ ينام مبكرا في الأحوال العادية فما بالك وهو مريض!.

– وهل وجودي ضروري؟

– بالطبع وسيفيدك الشيخ ويعطيك النصائح التي تسهل عليك المضي في رحلتك فهو علامة ورحالة وقد ألف الكثير من الكتب وتعلم على يديه الكثير من الناس .

 عند وصولهما منزل الشيخ عبد القادر المتواضع والذي يقع بجوار مسجد الفتح قرع الجبلي الباب فحضر ابن الشيخ عبد القادر المدعو (أمين) ليرحب بالضيفين أجمل  ترحيب ويسبقهما إلى داخل المنزل عبر ممر تحيط به أغصان العنب حيث عناقيد العنب مغطاة بأكياس ورقية لحمايتها من الحشرات .

   الشيخ الجليل يجلس على سريره متدثرا بعباءته الصفراء وواضعا قبعة من الصوف على رأسه بحيث تغطي معظم أذنيه فيحاول القيام للسلام عليهما ولكن ايدن يمسك بيده ويمنعه من القيام قائلا:

– أرجوك أن تبق جالسا في السرير فنحن نعلم أنك لست على ما يرام ، وقد أصر الجبلي على قدومي معه لإيصالي أمانة أنت في انتظارها منذ وقت طويل

– أشكر لك تكبد عناء الحصول على هذا الكتاب والمجيء إلى هنا يا سيد..

– ايدن

– أليس ايدن اسم عبري؟!

– نعم هو كذلك

– ولكنك ..أنا آسف في إثقالي بالأسئلة عليك

– هل بإمكاني الانفراد بالحديث معك يا مولانا

-نعم لا بأس في ذلك ، اذهب يا أمين مع الجبلي إلى الخارج واجلسا في الحديقة حتى أنادي عليكما.

بعد مرور ربع ساعة على اجتماع ايدن بالشيخ عبد القادر مد الشيخ يده نحو مقبض نافذة غرفته ليفتحه وينادي على إبنه الذي يجلس بصحبة الجبلي في الحديقة على بعد أمتار قليلة من النافذة .

– أمين يا أمين

– نعم يا أبتاه

– باستطاعتكما المجيء لقد انتهينا من كلامنا

– حاضر

بعد حضور أمين والجبلي قال ايدن

– يجب ان أغادر إلى القدس هذه الليلة هل أكلف عليك يا سيد أمين في الإتصال  بسيارة أجرة توصلني إلى هناك

 – أبدا ولكن ربما يستغرق الوقت من عشرة إلى عشرين دقيقة

– لا بأس قاطعهما الشيخ عبد القادر وأضاف

– أطلب يا أمين التاكسي ولو أنني كنت أود أن نتناول العشاء سويا ولكن ايدن لديه ما يجب أن يفعله في القدس فلا نريد أن نؤخره .

قال الشيخ عبد القادر موجها كلامه لإيدن :

– خذ هذا العنوان فقط أخبره أنك قادم من طرفي وتأكد أن تقول لسائق التاكسي أن يوصلك إلى باب الخليل .

– أشكركم جميعا قال ايدن

 ثم أضاف أمين أن التاكسي لا يستطيع الوصول إلى باب منزلنا فعلينا أن نسير حتى الدوار في وسط البلدة

– على بركة الله قال الشيخ عبد القادر

أما الجبلي فقال سأنتظر أنا هنا بعض الوقت للاطمئنان على شيخنا فقد قلقت عليك كثيرا عندما اخبرني حنا الراعي بما ألم به .

غادر ايدن بسيارة الأجرة بعد أن ودعه أمين عند وصول السيارة وذلك بعد وصولهما الدوار بدقائق معدودة متجها إلى المدينة الأحب إلى قلبه وعقله مدينة السلام والأمان وكان يهدئ بكلامه السائق الذي انطلق بسرعة كبيرة بعد أن خرج من حدود البلدة ليتابع الرحلة صعودا ومرورا بالخان الأحمر حيث وضع ايدن اصبعيه في أذنيه محاولا التغلب على تأثير تغير الضغط الجوي المؤلم قليلا.

  وصلت سيارة الأجرة بالقرب من باب الخليل أو بوابة يافا ونزل ايدن ثم توقف قليلا ليتفحص الخارطة التي توضح معالم المدينة وطرقاتها وأحيائها فوجد أنها لا تبعد إلا ست دقائق مشيا . نظر بعد دخوله البوابة فوجد أن سور مدينة القدس ليس كبقية الأسوار التي يعرفها فهو رحم يحتضن التاريخ بدفء الحاضر الذي تشكل على هيئة أحياء ومدن صغيرة تراقب التاريخ الذي يسكنه بعض الخوف وكل الأمان.

ينظر ايدن إلى الطرقات المرصوفة بحجارة تكاد قطرات عرق من قطعها من محاجر القدس أن تتبلور لترسم كل معاني الانتماء والمحبة . يتقدم ايدن رويدا رويدا نحو مكان  لا يشبه الأمكنة وهو يجذب قلوب الناس من كل بقاع الدنيا لتشهد وتعيش كل معاني التضحية ونكران الذات . لا يريد ايدن أن يصل إلى المكان الذي صلب فيه نبي الله عيسى حسب ما يؤمن به إخوة له وذلك لأنه يريد أن يعيش شوق لحظات اقترابه من كنيسة القيامة التي بنيت في ذات المكان وبداخلها القبر المقدس الذي دفن فيه المسيح عليه السلام لمدة ثلاثة أيام ثم قام . ايدن يُمنّي نفسه بالدخول إلى الكنيسة ويقاوم شوقه بشدة لرؤية أدق التفاصيل فيها. ونجح في تغيير مساره إلى العنوان الذي معه والذي عرف بعد سؤاله أحد العاملين في محل بيع الهدايا التذكارية أنه لا يبعد عن مكان تواجده سوى أقل من عشرين مترا، علم عنده لماذا قال له الشيخ عبد القادر أن ينزل عند باب الخليل .

  وجد ايدن نفسه أمام فندق صغير . هو في حقيقة الأمر منزل لأحد سكان المدينة القدماء وحوله الورثة لفندق يعتاشون من إيراده .

– لو سمحتِ قال ايدن للفتاة التي تجلس في الاستقبال

– أهلا وسهلا كيف أستطيع خدمتك؟

– الأستاذ (حنا إسكندر أبو عيسى) من فضلك

– تفضل يا سيدي اجلس على الأريكة لانتظاره ، إنه لن يتأخر أكثر من عشر دقائق وسيكون هنا لقد كلمني قبل دخولك وأخبرني بأن أبلغك أسفه للتأخر بسبب زحام المواصلات .

– لا بأس سأنتظره

    أحضر النادل كوب عصير برتقال وقدمه لايدن ولما انتهى ايدن من شرب العصير رأى شخصا في عمر الستين يدخل من باب الفندق وينظر إلى فتاة الاستقبال التي أشارت للسيد ايدن بابتسامة فيرحب أبو عيسى بايدن أجمل ترحيب ويدعوه للجلوس سويا في المطعم الصغير الخاص بالفندق حيث الأجواء التي تنقل من يجلس فيها إلى ماضي المدينة بكل ما فيه من حضارات . وهو مشيد  من الحجارة والطين على شكل أقواس يتزين بالصلبان وآيات من الإنجيل والقرآن وقطع تراثية بينها شمعدان ذهبي به سيع أماكن للشموع ويسمى بالعبرية ( مينوراه) ، كما أن الإضاءة عبارة عن فوانيس من الطراز القديم والسقف مدعم بأعمدة من خشب الزيتون وصور متعددة لأماكن أثرية في أغلبها دينية .

     أحضر النادل (الشيشة) أو (النرجيله) لأبي عيسى حيث اعتذر ايدن عن تدخين النرجيلة عندما سأله أبو عيسى وبعد ذلك استأذن أبو عيسى وطلب من ايدن السماح له بالانصراف قائلا تصبح على خير يا سيد ايدن .

فأجابه ايدن وأنت بألف خير.

  أفاق ايدن من نومه قرابة الساعة السابعة صباحا وذهب للمطعم حيث تناول طعام إفطاره بوجود تقليدي لطبق الحمص وطبق الفلافل وخبز يشبه إلى درجة لا بأس بها خبز الطابون الفلسطيني التقليدي القديم وكانت زجاجة لزيت الزيتون بالطبع حاضرة لإعطاء الحمص والفول طعما مميزا بنكهة الأرض المقدسة المباركة . وأثناء شربه لفنجان القهوة التركية المميزة بعد الإفطار كان يتجول بنظراته متفحصا من يجلسون حوله في مطعم الفندق ، أناس هم أخوة في الإنسانية لا يحملون إلا أسلحة المحبة يستطيعون بها جعل العالم أكثر جمالا وهدوءا وابتساماتهم تضيء المكان فقد جمعهم حب القدس فأتوا زائرين وحجاجا لالتماس البركة ولغسل همومهم وتطهير قلوبهم المتعبة . نهض متجها إلى الاستقبال حيث وجد فتاة أخرى تدعى (علياء) فأخبرها أن تشكر بالنيابة عنه أبو عيسى على حسن الضيافة وأنه سيعود مساءا إن شاء الله .

– لقد ترك لكَ هذا المغلف يا سيد ايدن قالت علياء وقد تناولت المغلف من درج مكتب الاستقبال وناولته للسيد ايدن

– أشكرك يا ابنتي ، أشكرك

   بالطبع لم يستطع أن يكون على بعد خطوات قليلة من كنيسة القيامة التي بنتها الإمبراطورة (هيلانه) والدة  الإمبراطور الروماني ( قسطنطين ) ولا يُعمِّد نظراته على مذبحها. مفاتيح الكنيسة مع عائلة (نسيبة) المقدسية المسلمة ليفتحون الباب وعائلة (آل جودة) المسلمة أيضا يحتفظون بالمفاتيح هكذا هو التسامح الديني حيث يتعايش أصحاب الديانات برسالة المحبة التي جاء بها الرسل جميعا . نظر ايدن متأملا ما يراه من تاريخ خلف الجدران والأبواب والقباب والأبراج فلا يجد للحروب أثر ولا للكراهية مكان كل ما هنالك حب يربط الأرض بطهر السماء ويظلل بالرحمة رؤوس من أرهقهم السفر عبر محطات الحياة وطال انتظارهم لتتحقق أمانيهم وأحلامهم بالأمن والسلام .استطاع بكل يسر كما الآخرين استنشاق رائحة التاريخ عندما اقترب من جدران تستقبله باسم كل الأنبياء والرسل والقديسين والمؤمنين .

     الساحة الخارجية لكنيسة القيامة تغمرك بحنان أم تشتاق لإبن غاب طويلا عنها أقواس أربعة اثنان منهما للشباكين الموجودان أعلى البابين الرئيسيين للكنيسة والقوسين الآخرين للبابين حيث أن الباب الأيمن مقفلا دائما بالحجارة والأيسر هو ما تستطيع الدخول من خلاله للكنيسة .

    أحاطت جدران تلك الساحة بايدن ولكنه لم يشعر إلا بحضن وحنان جعله يحلق بنظراته نحو بوابة الكنيسة التي تتشارك الطوائف المسيحية الشرقية والغربية الصلاة والعبادة فيها وتحتوي على القبر المقدس مكان دفن عيسى عليه السلام وفيها دير (للكاثوليك) وآخر (للروم الأرثوذكس) وثالث لطائفة (اللاتين) ورابع (للأرمن) أما (الأقباط) فلهم دير وكنيسة القديس (أنطونيوس) ويقعان خارج الكنيسة . دخل ايدن الكنيسة وكان أمامه الحجر المحاط غالبا بالحجاج والذي دُهن عليه جسد السيد المسيح بالزيت قبل أن يكفن ويدفن بالقرب من الحجر ويُقبل الحجاج على هذا الحجر ويصلون أمامه وهذا بالضبط ما فعله ايدن الذي ركع بجانب الحجر بكل خشوع ثم توجه يمينا وصعد الدرج إلى هضبة الجلجثة حيث صلب يسوع حيث العقاب والثواب والفداء والتضحية .وقف يسترق النظر والسمع بمساعدة ذاكرته ومخيلته  إلى جلال الحدث الذي يستحضره المؤمنون في كل دعاء وكل صلاة . وكانت هذه الهضبة خارج حدود المدينة في ذلك الزمن . ومرورا بكنيسة الإنسان الأول حيث المكان الذي دفن خُطاة الخطيئة الأولى . واتجه ايدن إلى قاعة للصلاة مقابل القبر وتسمى (الكاتليكون) وفيها رأى مصباحا يمثل سُرّة العالم . بعد أكثر من ساعتين حاول فيهما ايدن الذوبان في حاضر الماضي وماضي الحاضر تجول في كل أرجاء المكان وكانت ابتسامات كل من حوله رسائل محبة احتضنت قلبه بكل دفء .

    خرج ايدن بعد جولة زار أثناءها البئر العظيمة  والمذبح وحجر الطيب والقبر المقدس والعديد من المعالم التاريخية الهامة . خرج متجها إلى الفندق ليجلس في غرفته ليراجع كل ما دار بينه وبين الشيخ عبد القادر ثم فتح الخارطة والتي أصبحت كلها واضحة بعد أن مسح ايدن عليها بالأمس بواسطة ذلك السائل .

– يجب التريث ويجب الحذر الشديد كما أوصي الشيخ عبد القادر قال ايدن محدثا نفسه خاصة وأن التفاصيل كثيرة ولا مجال حتى للتفكير بارتكاب أي خطأ ممكن أن يؤدي إلي ضياع الفرصة للوصول إلى هدف من الممكن أن تكون نتيجة تحقيقه ذات أثر يغير الكثير من ما يجري في المنطقة الأرض المحيطة بمدينة السلام .

  خرج ايدن من الفندق متجها إلى (حائط البراق) أو حائط المبكى ويسمى أحيانا الحائط الغربي والذي يبعد عن فندقه مسافة نصف كيلو متر وتستغرق تلك المسافة ثماني دقائق مشيا على الأقدام داخل البلدة القديمة علما أنها بالسيارة تستغرق الربع ساعة لمسافة تزيد عن أربعة كيلومترات ولكن خارج سور المدينة القديمة .

حائط المبكى أو( الكوتل الغربي) يحد الحرم القدسي من الجهة الغربية ويمتد من باب المغاربة جنوبا إلى المدرسة التنكزية شمالا ( وهذه المدرسة تنسب إلى الحاكم المملوكي سيف الدين تنكز وقد أصبحت كنيس يهودي) الحائط بطول خمسين مترا وارتفاع عشرين .

    بعد الخطوات الأولى باتجاه حائط المبكى بدأت المعلومات التي لدى ايدن في مداعبة المعتقدات التي يؤمن بها فهو يرى النبي محمد صلى الله عليه وسلم يربط البراق في ذلك الحائط في ليلة الإسراء والمعراج ثم يجد نفسه ينظر لنفس الحائط على أنه الحائط الأخير المتبقي من هيكل سليمان وهو أقرب نقطة يمكن لليهود الوصول إليها والصلاة هناك لكون دخول الحرم القدسي محظورا عليهم منذ خراب الهيكل حيث يبكون حدادا على ذلك الخراب .اقترب ايدن نحو الحائط وكأن هنالك قوة خفية تجذبه بشكل ما نحو التاريخ الذي خلف هذا الحائط . يضع ايدن كلتا يديه باكيا ويضع مقدمة رأسه على حجر بارز استطاع ان يهزم ما يمكن للزمن والرياح والأمطار ان تصنعه فيه فبقي ليلامس جباه المؤمنين والزائرين من اليهود وغيرهم . أما فضول ايدن جعله يمد يده لإحدى الأوراق التي دسها احدهم في الشق الموجود بين حجارة الحائط الغربي أمامه ويفتحها بعد ان نظر حوله وكأنه يرتكب معصية ليقرأ كلمات احد كبار أنبياء بني إسرائيل النبي (أشعياء) المعروف بالنبي الباكي في سفره في التوراة في الإصحاح السابع عشر (فيطبعون سيوفهم محاريث ، ورماحهم مناجل ، ولا ترفع آمة على أمة سيفا ولا يتدربون على الحرب فيما بعد). يبتسم ايدن وآثار الدموع ما زال على وجنتيه ويعيد الورقة بعد طيها إلى مكانها وبنظر عاليا نحو السماء قائلا ( دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين).وأردف (المجد لله في الأعالي ، وعلى الأرض السلام ، وبالناس المسرة). أما ما كان يكرره ايدن وكأنه يود اتخاذه شعارا : (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) .

    كل ما حول ايدن يجعل من القدس مدينة تتسع للعالم . المدينة القديمة عبارة عن تسع كيلومترات مربعة قد دمرت مرتين وبها اربع حارات هي حارة الأرمن وحارة النصارى وحارة اليهود وحارة المسلمين  وللقدس القديمة أحد عشر بابا منها أربعة مغلقة . كل ما حوله عبارة عن مرآة تعكس حضارات العالم قديمه وحديثه على خشب الزيتون الذي ترتوي جذوره من عشق القدس يُنحت الهلال والصليب ونجمة سيدنا داود والعشاء الأخير ويُجسدُ مولد المسيح ويجسد الجمال وبالأصداف اللامعة تجسد قبة الصخرة وبعض الكنائس المشهورة . المطاعم والمقاهي  ومحلات الصرافة ومحلات بيع الهدايا الجلدية والرخامية والفخارية والخشبية كل ذلك يعطر المكان والزمان برائحة القدس . ينظر ايدن فيجد الثوب المطرز يشرح لمن يراه عادات وتقاليد شعوب أضاء التاريخ لها طريقا صنعت خلاله حضارتها . يهمس ايدن لنفسه :

– كيف أستطيع أن أحمل إرث هذه المدينة وأسافر به إلى قلوب من يسكن كل مدن الدنيا ؟ كيف يمكن لقلب ايدن أن يلخص المحبة المرسومة في الشوارع والأزقة والجدران والأبواب والأسقف ويحملها ليهديها لكل أطفال العالم في أعياد ميلادهم وفي حفلات تخرجهم من جامعاتهم ؟ . كيف يمكن أن أزين مواقع التواصل الاجتماعي بكل هذا الجمال . كيف أكون (سانتا كلوز) وتكون الهدايا التي ينتظرها مني الأطفال ضحكات أطفال ونساء ورجال بيت  المقدس ؟!

  لا يريد ايدن أن يصل إلى مكان معين بل يريد الاستمرار في السير في شوارع المدينة إلى ما لا نهاية . ولكنه بدأ يرى نفسه مسرع الخطى باتجاه قدس أخرى ، أسرع أكثر حتى شعر بوصوله إلى تلك المدينة التي يحبها أكثر من أي مكان في العالم فأخذ يتباطأ وخطواته أصبحت أقرب إلى بعضها ولم يعد إلا ايدن الطفل الصغير ذو العشرة أعوام يسير بصحبة والده ووالدته نزولا من باب العامود لتحضنه مدينة السلام بدفء وحنان تفتقده أو فقدته أو على الأصح انتزع من قلبها بأيد غادرة من بني البشر . كان الحب والسلام  ألوانا للجدران والأسوار والأبراج والمآذن والقباب والأزقة وكان الدفئ يحتضن مطر القدس وشتاءها بأمر ملكها سليمان للريح التي سُخرت لخدمته . وكان الجن يمشى في الطرقات خادما لزائريها وكانت طيورها أجمل وأشجارها غيوما تسافر عاليا لتأمر الشمس بأن تكون كملمس الحرير على رؤوس من يحج إلى مقدساتها . ايدن الطفل الصغير يرى بكل وضوح قدسا مختلفة تنام بين خصلات شعرها حمائم السلام ولا يستطيع الخوف أن يرهب أطفالها الذين يلعبون معها لعبة الحياة الجميلة، ها هو يستطيع أن يحلق في سماء القدس تحرسه ملائكة من السماء أتوا كعادتهم يباركون محاريب مساجدها ومذابح كنائسها وتوابيت كُنُسِها . إنها القدس تلك المدينة التي تتصل مباشرة بالسماء فتجعل من يسير في شوارعها أقرب بإيمانه إلى خالقها.  يبدأ ايدن في إطلاق أعلى الضحكات فرِحا ومسرورا فتنعكس ضحكاته وتنتشر لتضئ كل الشفاه فيبدأ ايدن بخطى بطيئه متقاربة تكبر رويدا رويدا ويتجه عائدا إلى نفسه وزمنه  لينتهي حلم الحقيقة أو تنتهي حقيقة الحلم .

  نعم قال ايدن في نفسه إن هذه المدينة تتسع لكل الدنيا . وما لبث أن وقعت عيناه على حائط المبكى وأمامه الآلاف من الحجاج اليهود يؤدون الصلوات والشعائر الدينية فوضع ايدن طاقية ( الكيبّاه) السوداء على رأسه وثبتها بدبوس لكل لا تقع واتجه إلى الحائط بخطوات بطيئة متأملا وقارئا على حجارته وبين شقوقه العديد من الروايات التي كتبت وما زالت حول هذا المكان ومد يده إلى جيبه ليخرج ورقة كتبها أثناء إفطاره في الفندق طالبا فيها من الله أن يجعل المحبة والسلام رموزا لكل عباده ثم دس الورقة في أحد الشقوق كما يفعل الجميع ممن يأتون إلى هذا الحائط . إتجه ايدن شمالا ليدخل المعبد الموجود في نهاية الحائط ورمى ببعض القطع المعدنية في بئر يوجد قرب المدخل ثم تابع متجها للداخل نحو زاوية ليبدأ طقوس الصلاة وقراءة صفحات من التوراة الموجودة هناك وقد تبادل الابتسامات مع العديد من الحاخامات الذين يصلون ويدعون الله بخشوع يضيف للمكان طمأنينة وأمنا .

   بعد ذلك اتجه ايدن جنوبا ليزور نفق طريق الحجاج الذي يعتبر جزء من مدينة داود الأثرية اليهودية المفتوحة التي أقيمت في سلوان وكان الحجاج اليهود إلى القدس يستخدمونه قبل ألفي سنه ويبلغ طول النفق سبعمائة متر .

 لقد كان السير في النفق مرهقا لكثرة الدرجات التي على ايدن تجاوزها بين الحين والآخر . استمر ايدن في السير حتى وجد نفسه خارج المدينة القديمة ونتيجة لما ألم به من تعب فضل الذهاب بالتاكسي إلى الفندق للراحة والعودة مساءا للصلاة في المسجد الأقصى .

  ولكنه غير رأيه وطلب من سائق التاكسي الذهاب إلى مغارة سليمان . دخل ايدن المغارة واتجه إلى مكان النفق الذي أحضر منه الكتاب . ساعده ازدحام الناس في هذا اليوم على غير العادة لوجود رحلات من المدارس في صعوبة مراقبته بالكاميرات وخاصة عندما وصل ايدن مدخل النفق الذي ينبغي الدخول فيه ، جلس قليلا على السلم عند الدرجة الثالثة ليفكر في الخطوة القادمة. نظر ايدن إلى سقف الكهف باحثا عن موضع كاميرا المراقبة فوجدها موجهة إلى مدخل النفق وقد ساعده حظه في المرة السابقة وأما الآن فماذا  يصنع ؟.

    خطرت في باله فكرة ربما تنجح خاصة أنه يحتاج لثوان قليلة فقط بعيدا عن كونه في مجال مراقبة تلك الكاميرا فوقف بجانب اللمبة وبدأ يتحسسها ويحاول فكها ببطء إلى أن حانت اللحظة الحاسمة فما أن انطفأت اللمبة حتى انطلق ايدن إلى داخل النفق بسرعة وتجاوز البوابة الخشبية ثم بدأ يشعر بالاطمئنان حيث عرف أنه تجاوز مكان دفن الكتاب بعد رؤيته الضوء المتخلل للصخور والساقط مباشرة على مكان الحفرة التي كان بها الكتاب . إن ايدن يحفظ ما عليه فعله وقد راجع ذلك عدة مرات حيث لا مجال لحدوث أي من الأخطاء التي ربما تُنهي مهمته وتؤثر سلبا على مستقبل حياته .

   استمر ايدن في تحسس طريقه وشعر أن جدران النفق المعتم أصبحت أكثر رطوبه حيث تبللت يديه وأصبح السير على الأرض يحدث صوتا لالتصاق بعض الطين بقدميه . لقد كان بإمكانه إحضار كشاف إضاءة ولكنه فكر في جهاز كشف المعادن الموجود عل بوابة المغارة . كما أن علبة الكبريت التي أحضرها يعلم أن حاجته لها ستكون أكثر كلما تقدم في سيره باتجاه ما يريد . وفجأة يرتطم رأسه بأحد الصخور الناتئة من سقف النفق فوقع على الأرض ، يحاول النهوض ولكن جسما لينا تقع يده عليه ليكتشف بعد أن يضطر لإشعال عود ثقاب أنه كلب صغير يحدق بعينيه في وجه ايدن مما يجعل ايدن على الفور يخرج كعكة السمسم ويطعم الكلب ثم  صب بعض الماء من حافظة الماء خاصته في يده ليسقي الكلب وينهض فيشعر أن الكلب يتبعه وفي بعض الأحيان يسبقه .

    ينظر ايدن إلى ساعته التي تضيء أرقامها الفسفورية فيعلم أن أكثر من أربعين دقيقة مرت ويفكر قليلا ليستنتج أنه بحساب الزمن الضائع عند وقوعه وإطعامه للكلب فإنه اقترب كثيرا من الباب الذي يحمل مفتاحه .

   الطريق أصبح اكثر جفافا من السابق ويجد ايدن أن الكلب رجع للحركة بين رجليه وأخذ يعض ثوب ايدن ويشده إلى الوراء ولم يُعر ايدن اهتماما للكلب فوجد أنه بعد خطوات قليلة تقع إحدى رجله في حفرة يتبعها جسده محطما بسقوطه الباب الخشبي المتهالك  لبئر قديم ينقذ ايدن من السقوط فيه أن حزام ثوبه الجلدي يتعلق بمشبك فولاذي هو جزء من إطار مثبت على فوهة البئر . بدأ ايدن في المحاولة للخروج من هذا المأزق ويزيد الطين بلة حين سقط حجر كان بجانب فوهة البئر وسمع صوت ارتطامه بالماء الموجود في البئر  بعد فترة قدر ايدن مسافة سقوطه بأكثر من عشرة أمتار .

  ايدن يحاول ويحاول والتعب يزداد عليه وكلما يمد يده للإمساك بحافة فوهة البئر تنزلق يده ويزداد يأسا . ينظر ايدن في الظلام فيرى الموت والحياة ويرى الخير والشر ويرى الشيطان لا يكل ولا يمل . ماذا بعد ؟! هذه ليست لحظة اختيار يا ايدن إنها لحظة يسمى كل ما قبلها العمر أو الحياة وما بعدها هو الموت والحساب والخلود وماذا أفعل ؟ هل أتخذ القرار ؟.. ولكني لا أملكه وأنا عالق أنتظر.. أتألم ..أندم.. أحلم ..كما أنني أثق بربي نعم ..اللهم يا من نجيت إبراهيم من النار ونجيت يوسف من كيد إخوته وحفظت موسى من جبروت فرعون ..اللهم يا من أخرجت يونس من بطن الحوت إنني أدعو بدعاء سيدنا يونس .. (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) وقد رد الله على دعائه  (فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين)  . لم ينته ايدن من دعائه إلا وقد وجد الكلب يمسك بطرف حبل مربوط في سقف المغارة وبه دلو لانتشال الماء من تلك البئر . أمسك ايدن الحبل واستجمع قواه واضعا رجله على حافة البئر ورافعا نفسه بمساعدة الحبل ليخرج سالما ولكن منهكا ثم يملؤ الدلو من البئر ويغسل وجهه وجراحه التي سببتها حافة البئر ويملأ حافظة الماء التي معه ويتوضأ ويصلي لله ركعتين ويدعو الله أن يهديه ويعينه على تحقيق ما جاء من أجله .

    يُحدث ايدن نفسه بالعودة إلى الفندق فهو يشعر بالتعب والإرهاق ولكنه يكمل السير لأكثر من نصف ساعة وكل ما يعلمه من الخارطة أن الطريق يوصل إلى مكان مسدود ويجب عليه بعد ذلك الرجوع خمس خطوات ثم الاتجاه إلى اليمين والصعود خمسة عشر درجة وبالفعل وجد نفسه بعد لحظات يصطدم بالحائط فرجع للخلف خمس خطوات واتجه يمينا وصعد الدرج وعندما وصل للأعلى أدرك أن الكلب قد  رجع ولم يلحق به .  أخرج ايدن علبة الكبريت التي بجيبه وأشعل أحد الأعواد ليقرأ التعليمات التي من المفروض أن تكون على الجدار الذي في أعلى الدرج . احتاج ايدن سبعة أعواد للانتهاء من استيعاب تلك التعليمات ثم استدار نحو اليسار وتحسس الجدار فوجد ثلاث عصي بارزة لمسافة شبر تقريبا وتشكل مع بعضها رؤوسا لمثلث متساوي الأضلاع رأسه للأعلى فبدأ بنزع العصا الموجودة في الرأس العلوي ووضع مكانها العصا الموجودة في الرأس اليسار ثم نزع العصا الموجودة في الرأس اليمين ووضعها في الرأس اليسار وأخيرا وضع العصا التي كانت في الرأس الأعلى في الرأس اليمين حسب التعليمات واتباعا لتحذير شديد بإبقاء عصا واحدة على الأقل مغروزة في الجدار وقد لاحظ أن كل العصي انغرزت بالكامل بعد هذا التبديل وكذلك غير اتجاه غرز العصي بعد ذلك دفع الجدار ليجد أنه يفتح لجهة اليمين فأشعل أحد أعواد الكبريت فلمح العديد من التماثيل والرفوف في غرفة منحوتة في الصخر. لمح ايدن أحد المشاعل الفديمة معلق على الجدار بجانب الباب فأشعل عودا آخر وأشعل به ذلك المشعل فأضيء فضاء الغرفة وبدا المنظر سرياليا فانعكاس أشعة الإضاءة على محتويات الغرفة وتباين الظلال جعلت الغرفة أكثر غموضا مما كانت عليه وهي معتمة . ما كل هذه المحتويات ؟ سأل ايدن نفسه . هذه طاولة للاجتماعات وما كل هذا العدد من الكراسي ! ؟ مد يده ليتحسس التمثال الموجود في منتصف الطاولة وهو لتنين له ست رؤوس . لا متسع من الوقت ليتفحص ايدن كل ما في الغرفة من محتويات خاصة بعدما رأى بابا لم يحاول معرفة ما يفضي إليه . 

اتجه ايدن إلى الزاوية اليمنى المقابلة لباب الغرفة . همس لنفسه يجب أن أجد ما أقف عليه لاستطيع الوصول للرف الأعلى للحصول على الحقيبة التي هناك .

– سأقفز للأعلى لا أستطيع ذلك أنا فعلا منهك .. ما العمل إذا ؟ سأل نفسه .. الوقت يمر بسرعة وربما تقفل المغارة قبل وصولي للبوابه .

أخذ ايدن يسابق الزمن . نظر إلى يمينه فوجد خشبة غير مثبتة جيدا في أحد الرفوف فانتزعها ومدها نحو الحقيبة ونجح في إيقاع الحقيبة على الأرض محدثة صوتا عاليا إلى حد ما فمد يده لالتقاطها وإذا به يسمع أصواتا غير مفهومة قادمة من الجهة الأخرى ناحية الباب .

   أمسك بالحقيبة وجلس متكوما على نفسه في الزاوية اليمنى مقابل الباب . كان ايدن خائفا وقلبه ينبض بشدة ولا يعرف المصير الذي ينتظره إن أمسك به أحدهم وكيف يمكنه تبرير دخوله إلى مكان فيه أرشيف سري لا يمكن أن يصل إليه إلا عدد محدد من الناس وخاصة ما يوجد في تلك الحقيبة من ملفات عدم الاطلاع عليها أفضل ألف مرة من معرفة تلك المعلومات التي كتبت لتحفظ فقط ، هكذا حدث ايدن نفسه . حتى الشيخ عبد القادر لم يتطرق في حديثه معه عند انفرادهما عن ما تحتويه الحقيبة وكان الكلام يدور حول كيفية الوصول إلى الحقيبة وأخذها ولا شيء قد ذُكر عن ما بداخلها ؟! ولكن ..حدّث ايدن نفسه ثانية أنا من يصلح لأداء هذه المهمة .. هذا ما يجب أن أفهمه ..إنها مهمة إنسانية تخدم كل البشر وتمنع الحروب وتنشر السلام ولكن لماذا لا يمكنني الاطلاع عليها ؟! المهم يا ايدن القيام بالمهمة ..أنا قبلت ذلك منذ البداية .

   استمر ايدن صامتا ومنتظرا المصير الذي لم يحسب له حسابا وتوقع دخول الحرس إلى الغرفة والقبض عليه أو على أقل تقدير إقفال الغرفة عليه وهي غرفة لا تفتح من الداخل أبدا .

تلاشى الصوت فقام ايدن واتجه ناحية الباب متحسسا طريقه في العتمة بعد أن أطفأ المشعل وخرج من الباب وفجأة سمع مرة أخرى الأصوات وحدد مصدرها الذي اتضح أنه من خلف الجدار الذي على رأس الدرج فاطمأن وانتظر قليلا ثم أعاد إغلاق الباب بعكس طريقة فتحه وأحس بالكلب يمسك بثوبه ففرح لذلك واتجه هابطا الدرج  وأقفل الباب بالمفتاح ومن ثم اتجه إلى اليمين عائدا وتذكر أن يكون حذرا ويتجنب الوقوع في البئر مرة أخرى ولو أشعل كل ما تبقى لديه من كبريت . وعندما وصل مكان دفن الكتاب حفر ثانية وأعاد المفتاح داخل الصندوق .ربما هذا المفتاح لذلك الباب الموجود بداخل غرفة الأسرار والتي لم أدخلها .سأنفذ المطلوب مني حرصا على سلامة وأمان الجميع . ورجع ايدن وبعد أن تعدى البوابة الخشبية قال  لنفسه :

– عندما أخرج من النفق سيروني بكاميرا المراقبة المثبتة على مدخل النفق . ماذا لو أنتظر حتى الغد وأخرج بعد إقفالهم المغارة وفي الصباح اخبرهم انهم نسوني بالداخل  ؟ ولكن هنالك تسجيل طوال الليل للكاميرات حتما وأعتقد أنهم يفتشون كل الممرات قبل الإقفال . إذا ما العمل ومعي حقيبة ربما تجعل من على الباب يشك ..كلا فإنه لا يوجد تفتيش أثناء الخروج .ما العمل إذن يا ايدن ؟! آه وجدتها .

  جلس ايدن بجانب باب النفق بعيدا عن مجال مراقبة الكاميرا وأخذ ينادي:

– النجدة النجدة ..

تجمع الناس حوله وما هي إلا دقائق معدودة حتى حضر حارس من حراس المغارة ووصل إلى ايدن وسأله :

– ماذا هنالك يا سيدي؟

– لا شيء مهم هذا الكلب ضل طريقه وأردت إنقاذه ولا أعرف من صاحبه ! .

 – شكرا لك ولكن ماذا بك ؟

– لا شيء

-أنت تحتاج للمساعدة خاصة تعقيم هذه الجروح

– لقد وقعت أثناء لحاقي بالكلب لإنقاذه

  -هيا بنا يا سيدي إن زميلي سيفرح كثيرا بعثورك على كلبه لأنه لا يستطيع ترك غرفة المراقبة للبحث عنه أشكرك ثانية بالنيابة عنه ودعني أساعدك للوصول إلى البوابة حيث لدينا الإسعافات الأولية .

  غادر ايدن المغارة متجها إلى الفندق ولكن هذه المرة عن طريق بوابة دمشق أو (باب العمود) وسبب التسمية نسية إلى عمود من الرخام الأسود ارتفاعه أربعة عشر مترا وُضع في الساحة الداخلية للباب في الفترة الرومانية وعن طريق العمود كان يتم قياس بعد المسافات عن القدس .

   فور نزوله الدرج الذي أمام البوابة والذي بني على هيئة مدرج صغير وحديث حيث يجلس بعض الشباب من الفتيان والفتيات ، مشى عل جسر يوصله الباب الرئيسي ومن ثم وجد نفسه أمام السوق التجاري الذي يسمى خان الزيت ومنه يتفرع إلى أسواق عدة منها (سوق العطّارين) و(سوق اللحامين) و(سوق القطّانين) و(سوق الصاغة) و(سوق الحصر) . اتجه ايدن ناحية اليمين إلى حارة النصارى . المسافة إلى الفندق المجاور لكنيسة القيامة لا تتعدى الخمسمائة متر أي يحتاج ايدن سبعة دقائق تقريبا للوصول إلى الفندق فهو محتاج اشد الحاجة إلى الراحة بعد كل هذا المجهود ولكنه يشعر بسعادة بالغة حيث أتم إنجاز مهمة كان عند حسن ظن من أوكلوه للقيام بها – هذا ما كان يشعر به – .

   في طريقه إلى الفندق تناول ايدن ساندويشين (شاورما) ولم يستطع مقاومة الكنافة بالجبنة النابلسية التي يحبها منذ صغره ثم اشترى زجاجتي مياه معدنية وجلابيه مقدسية وعباءة وكذلك ملابس داخلية وحذاء مع جوارب  وكذلك مسبحة مصنوعة من  بذور الزيتون . هذا تقريبا ما كان يحتاج إليه بعد تمزق واتساخ ملابسه أثناء دخوله النفق ثم حدَّث نفسه لا بد لي من شراء زجاجة عطر وبعض البخور .

 من باب العمود إلى طريق الآلام المسافة لا تزيد عن مائتين وستون مترا أي تستغرق ثلاثة دقائق مشيا على الأقدام وبالرغم من التعب الشديد والإجهاد الذي كان ايدن يشعر به لم يمنعه كل ذلك من الوصول إلى طريق الآلام . حمل ايدن تعبه وألمه وأمله كما حمل المسيح صليبه وعذابه في هذا الطريق .هذا الطريق يمر به الملايين من البشر وأكثرهم لا يشعر أو حتى يتذكر آلام المسيح ولكن ايدن يرى المسيح نازفا مرهقا معذبا وصابرا وهو يحمل كل أخطاء من دنسوا مدينته بذنوبهم ومن اقتلعوا أزهارها وقتلوا عصافيرها وذبحوا زيتونها وشوهوا وجهها الجميل . مشى ايدن في طريق لا يتعدى طوله كيلو مترا واحدا يبحث عن شكل آخر للحياة ويفتش عن سلام قادر على احتضان كل سكان العالم ..يبحث عن قلب طريق الآلام النابض بالمحبة ..ايدن لم يرى في الحجارة التي ترصف الطريق أو تكسو الجدران التي على جانبيه سوى ضحكات الأطفال وآمال الشباب واطمئنان كبار السن على مستقبل أحفادهم يبدأ ايدن من باب الأسباط  بالقرب من المدرسة العمرية والتي كانت مقرا للحاكم الروماني (بيلاطس البنطي)  حيث تم تتويج المسيح بإكلبل من الشوك على راسه ثم مرحلة الجلد ثم مرحلة سقوط المسيح وهو حامل للصليب من التعب والإجهاد  ثم المرحلة التي يلتقي فيها المسيح مع والدته العذراء مريم حيث توجد كنيسة سيدة الأحزان وبعد ذلك مرحلة سقوط المسيح ثانية حتى يصل إلى خان الزيت ثم إلى المكان الذي خاطب فيه المسيح بنات أورشليم  وقال (لا تبكين عليَّ بل ابكين على أبنائكن وعلى أنفسكن ) حيث بعدها في سنة سبعين دُمرت القدس على يد الامبراطور الروماني (تيطس) وقتل كل سكانها وعرف ذلك باسم خراب أورشليم ويستمر ايدن في السير عبر المراحل التي يسقط فيها المسيح مرة تلو الأخرى ويتم تجريده من ملابسه ثم يتم دق المسامير في يديه ورجليه عند (الجلجثة) حيث يتم صلبه..

     ايدن يتجه راجعا إلى فندقه والطريق يسير به إلى عالم يراه في مستقبل المدينة التي تقبل السماء في الصباح وفي المساء .

وعندما وصل إلى غرفته قال لنفسه :

-آه لقد نسيت أن افتح الظرف الذي أعطتني إياه علياء من أبو عيسى صاحب الفندق . ماذا به يا ترى لأفتحه الآن .

  فتح ايدن الظرف ووجد فيه رسالة كتب فيها :

“يجب عليك الحضور بأسرع ما يمكن لمنزل الشيخ عبد القادر ولكن بعد إكمال المهمة..”

– ماذا هنالك ؟ ربما حدث شيء للشيخ المريض ولكن لماذا يخبرني عن طريق أبو عيسى . إنه صديقه حتى إنه أخبرني أن أقيم إلى متى أشاء بفندقه وأقسمَ أن لا أدفع مليما واحدا لقاء كل ذلك ومن المؤكد كان ذلك بتوصية من الشيخ عبد القادر . غدا صباحا أذهب لبيت الشيخ فأنا بحاجة ماسة للراحة والنوم .

  تناول ايدن طعام إفطاره كالمعتاد وكان يضع الحقيبة على الكرسي الذي بجانبه وأثناء احتسائه لفنجان القهوة التركية فكر في أن يتصل بليزا وآدم ويطلب منهما أن يوصلاه إلى بيت الشيخ خوفا من أي طارئ لو استقل التاكسي حيث تسربت الشكوك لنفسه باحتمال فقدانه للحقيبة تحت أي عنوان لو سافر بسيارة الأجرة .

– نعم سأجعل علياء فتاة الاستقبال تتصل بليزا واليوم هو السبت وهو عطلة رسمية قال ايدن في نفسه ثم نهض وحمل الحقيبة واتجه نحو الاستقبال .

– هل من الممكن طلب هذا الرقم يا ابنتي علياء ؟

– يسعدني ذلك

– رقم ليزا

– حاضر

– الرقم الثاني من فضلك

– نعم نعم اسمها مكتوب بجانبه يا سيد ايدن

بعد طلب الرقم

– إنه يرن ..ألو ليزا

– نعم

– السيد ايدن يريد محادثتك

– تفضل يا سيد ايدن وأعطت علياء التلفون لايدن

– الو مرحبا يا ابنتي ليزا

– مرحبا سيد ايدن كيف حالك

– إنني بخير وأود أن تسألي آدم إذا كان بإمكانه أن يوصلني بسيارته إلى مكان في منطقة الأغوار حيث لا أرغب في أن استقل سيارة أجرة

– إنه بجانبي ويسمعك

وهنا قال آدم متى تريدنا أن نحضر إلى عندك ثم أين أنت الآن

– الآن ممكن؟

– نعم

– سانتظركما عند موقف سيارات الأجرة بالقرب من باب الخليل ..بوابة يافا

– بعد نصف ساعة ستجدنا هناك يا سيد ايدن

– بارك الله فيكما

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال ايدن ورجع مسرعا إلى غرفته فقد نسي أن يضع بإصبعيه خاتم سليمان كما يطلق عليه وهو مكون من  جزأين يشكلان إذا لبسهما معا في إصبعين متجاورين نجمة سداسية  يزينها ستة أحجار كريمة بألوان مختلفة .

خرج ايدن ليتجول في الحارة التي بجوار الفندق ثم توجه إلى باب الخليل وبعد وقت قصير وصل آدم وليزا فرآهما ايدن واتجه نحوهما . نزلت ليزا وجعلته يركب السيارة في المقدمة بجانب آدم .

تبادل الجميع أطراف الحديث واعتذر ايدن لهما عن طلبه منهما توصيله ولكن لديه أمانة لا يستطيع أن يغامر بنقلها معه في سيارة الأجرة فقال آدم :

– العفو منك يا سيد ايدن يسعدنا ذلك كما أننا كنا قلقين على صحتك

– أنا بخير الآن والحمد لله أجاب ايدن

– هل سنسلك الطريق المار بالقرب من الجامعة العبرية ؟

– نعم أجابت ليزا ولكن لماذا ؟

– لا شيء مجرد سؤال

– ربما حصل مكروه للشيخ عبد القادر قال ايدن بصوت هامس

– عفوا سيد ايدن هل تقول شيئا قال آدم

– نعم سنذهب لمنزل الشيخ عبد القادر وهو مريض جدا يجب أن أسلمه هذه الحقيبة

– لا تقلق إن شاء الله ستجده بخير

– إن شاء الله

دل ايدن آدم على طريق الوصول لبلدة الشيخ عبد القادر واخبره بأنه لا يستطيع الوصول بالسيارة إلى المنزل حيث سينزل عند الدوار وطلب منهما ايدن الرجوع إلى القدس فأصرا على أن يطمئنا على وصول ايدن منزل الشيخ ورافقاه إلى هناك .

  طرق ايدن على الباب الخارجي وبعد عدة طرقات سمع صوت فتاة من الداخل تسأل :

– من الطارق

– أنا ايدن

– لقد أخذوا والدي إلى المستشفى الحكومي ..كانت تبكي ، وأكملت قولها لقد دخل عند الفجر في غيبوبة إنه في مستشفى البلدة الموجودة  قرب الدوار

– أشكرك سنذهب لنطمئن عليه إدعي الله يا ابنتي سيكون بخير إن شاء الله مع السلامة .

– مع السلامة

رجع ايدن وليزا وآدم إلى الدوار وأشار لهم الناس هناك إلى موقع المستشفى الحكومي حيث استقبلهم أمين عند باب المستشفي الرئيسي بعد أن أخبرته أخته بالتلفون عن قدومهم وذهب الجميع للغرفة التي يرقد فيها الشيخ عبد القادر فوجدوه في حالة ليست سيئة كما توقعوا بعد كلامهم مع ابنته وكذلك فإنه يستطيع الكلام ولكن بصعوبة .

  كانت الغرفة واسعة نسبيا حيث خصص له المستشفى أوسع غرفة لكثرة من سيزوره لأنه أشهر وأهم شخصية في البلدة وكان يجلس آنذاك أبو عيسى والجبلي والعديد من الأقارب والأصدقاء .

لقد تركتُ لك مغلفا في الاستقبال قال أبو عيسى موجها كلامه لايدن

– نعم أشكرك ومنه علمت بضرورة المجيء إلى هنا

– اقترب يا سيد ايدن قال الشيخ عبد القادر بصوت ضعيف

– حاضر

– اقترب أكثر

وضع الشيخ ورقة مطوية في يد ايدن وقال له لا تنسى أن تبلغ من أتاك على حصانه الأبيض سلامنا وعزاءنا بوفاة والده .

 وهنا قال ايدن بصوت هامس :

– وماذا بالنسبة للأمانة؟

-الإجابة في الورقة أجاب الشيخ

– تمام وهز ايدن رأسه موافقا وجلس مع من معه في الغرفة بعدما أخبر الحاضرين أن ليزا وآدم هم  بمثابة أولاده وأفسح الموجودون له ولمن معه مكانا للجلوس .

قال أبو عيسى موجها كلامه لآدم :

– إذا كنتما مشغولين فباستطاعتكما العودة وأنا سأعود مع ايدن فهو يقيم عندنا في الفندق .

-أبدا اليوم السبت وليس هنالك ما يشغلنا عن أبينا. ونظر لايدن وهو يبتسم .

طلب الشيخ عبد القادر من ابنه أمين أن يساعده لكي يجلس في السرير فعلى الأغلب هنالك ما يريد أن يقوله :

يقال بأن إبليس قرر الرحيل من إحدى القرى وأثناء تجهزه طلب منه ولده الصغير أن يذهب ليشرب الماء من بيت مجاور ، فقال له : اذهب ولا تحدث شيئا في القرية ، فذهب إبليس الصغير وشرب الماء ولما هم بالخروج من البيت رأى وتدا في الخيمة وكانت امرأة  تحلب  البقرة المربوطة  في الوتد  فحرك  إبليس الوتد   فهاجت البقرة ودلقت الدلو الذي كانت المرأة تحلب فيه ،  فغضبت المرأة وحملت عصى وضربت البقرة فكان مقتلها فماتت ، فلما حضر زوجها وعرف  القصة  غضب   من زوجته لفعلتها فضربها فأصابها في مقتل فماتت المرأة ، ولما  عرف قومها  الخبر جاؤوا ومعهم عصيهم  وأسلحتهم ، وجاءت  قبيلة  الرجل  ووقعت  بينهم  مشاجرة  كبيرة علا فيها أصوات الجرحى والمتشاجرين .
    وعاد إبليس الصغير لأبيه فنهره أبوه وسأله عن سبب هذه المشاجرة فقال يا أبت  لم أفعل شيئا سوى أنني حركت الوتد …

ضحك الحاضرين وقد علموا أن الشيخ لم بسرد القصة فقط لإضحاكهم . وبعد أكثر من نصف ساعة حيث قامت الممرضة بقياس الضغط والحرارة مرتين للشيخ عبد القادر وأعطته حقنة وبعض أقراص الدواء من مضادات حيوية ومسكنات ، أتت  بصحبة الطبيب المسؤول عن حالته حيث رد على العديد من أسئلة الموجودين وأخبرهم بأن حالة الشيخ مطمئنه وأنه عمل ما عليه ولكن الشفاء بإذن الله وطلب منهم الدعوات له ثم أخبرهم أن يتركوا الغرفة لإعطاء الفرصة للشيخ لكي يستطيع النوم لضرورة ذلك وأهميته من أجل شفائه.

انصرف الجميع إلا أمين بقي جالسا بجانب سرير والده وعاد ايدن بصحبة آدم وليزا إلى السيارة وهو على أحر من الجمر لمعرفة مصير تلك الحقيبة ولما وصلا السيارة قال لليزا :

– اجلسي أنت في المقعد الأمامي فإنني أتضايق من ربط الحزام وأشعر أنني مقيد .

– تمام .. حاضر

   جلس ايدن في الكرسي الخلفي وأخرج من جيبه الورقة فلم يجد فيها إلا كلمتين (امسحها بالسائل) .هز ابدن رأسه وابتسم ابتسامة رضا حيث توقع الشيخ أن تصل الورقة إلى يد أحد آخر فكتبها بالحبر السري الذي يظهره السائل السحري والذي استخدمه لإظهار بقية أجزاء الخارطة .

– سنتناول طعام الغداء سويا يا سيد ايدن قال آدم

– إن اليوم عيد ميلادي وقد دعاني للعشاء وإنني أنتهز المناسبة وأستغلها وأحولها لغداء قالت ليزا وأضافت :

– أليس من حقي ؟

– من حقك ونصف قال آدم

ولكن كان لايدن مقترح آخر حيث قال لهما :

– ما رأيكما في مشاركتي بجولة سياحية فإنني زرت حائط المبكى وكنيسة القيامة وبقي المسجد الأقصى وقبة الصخرة وفي المساء نحتفل بعيد ميلاد ليزا ونتعشى معا .

– اقتراح لا غبار عليه فأنا منذ وصولي للقدس وأنا أرغب في زيارة هذه الأمكنة قالت ليزا .

– وأنا لا يمكن أن أعترض على هذا الاقتراح الرائع أضاف آدم .

   وهنا ترددت ليزا في عرض شيء أحست بالخوف من أن يفهمه ايدن خطأ خاصة أنها ليست على يقين بما يعتقده الرجل وبخلفيته الفكرية والاجتماعية وأثار صمتها المفاجئ فضول ايدن  فبادر للسؤال :

– ماذا بك يا ابنتي؟

– لا شيء

– رجاءا كوني صريحة فلدي يقين بأن هنالك ما أردت قوله وتحاولين إخفاءه..

– حسنا ..يا سيد ايدن فإن لدي صديقة أعرفها منذ أربع سنوات

فقال آدم مقاطعا :

– أكيد تقصدين ( شلوميت )

– بالضبط

– وماذا تريدين منها ؟ سأل آدم

– أنت تعلم أنها تدرس في كلية الآداب والعلوم الانسانية في فرع (هار هتسوفيم)

فسأل ايدن :

– في الجامعة العبرية معكما ؟

– إنها فعلا في الجامعة العبرية ولكن كلية الطب في فرع (هداسا عين كارم) وقد تعرفت على شلوميت في الناصرة أثناء عملنا في أحدى الكافيتريات . وشلوميت من (نوف هجليل) أو( نتسرات عيليت) وهي يهودية .

فسـأل ايدن :

– ما المشكلة في أن لك صديقة تدعى شلوميت حتى اسمها يعني المسالمة .

– لا توجد مشكلة ولكنني أقترح وجودها معنا أثناء زيارتنا لجبل الهيكل أو الأقصى فلديها الكثير لتخبرنا به وهي تعمل في أوقات فراغها مرشدة سياحية

قال ايدن بلا تردد :

– فكرة ممتازة اتصلي بها فورا وإن شاء الله لا يوجد ما يشغلها .

– حاضر سأكلمها حالا أجابت ليزا وهي تشعر بالكثير من البهجة والسرور

قال ايدن بعد أن اتفقت ليزا مع شلوميت على مصاحبتهم :

– يجب أن أضع الحقيبة في قسم الأمانات في الفندق وبعد ذلك نذهب سويا فقط أخبري شلوميت أن تحضر إلى بوابة الخليل ونبدأ جولتنا من هناك

– على بركة الله يا أولادي

عندما وصلوا إلى موقف السيارات بالقرب من باب الخليل قال آدم :

– سننتظر أنا وليزا وصول شلوميت وأنت يا سيد ايدن اذهب إلى الفندق لترك حقيبتك هناك .

فقال ايدن :

-أشكركما .. وحدث نفسه أنه يجب عليه شراء هدية لليزا وتقديمها لها أثناء العشاء .

وقبل دخوله الفندق اشترى لليزا إسوارة فضية محلاة ببعض النقوش وفصوص من الحجارة الكريمة الملونة ،  وطلب من البائعة لفها بشكل جميل ثم وضع الحقيبة في صندوق الأمانات ورجع إلى الموقف ولم ينتظرون سوى الربع ساعة تقريبا لتصل شلوميت المبتسمة دائما وخفيفة الظل . أوقفت سيارتها جانبا وأقبلت عليهم مهرولة حيث قبلت الجميع وقالت لهم :

– أرحب بالسيد ايدن كل الترحيب وأرجو أن يستطيع تحمل كثرة كلامي ولكن البعض من أصدقائي يقولون أنني فتاة  رائعة أليس كذلك ؟ قالت موجهة كلامها للسيد ايدن . فأجابها ضاحكا : طبعا رائعة ومن يستطيع قول غير ذلك .فتابعت شلوميت قائلة :

– هيا بنا أنا الآن مرشدتكم وأي سؤال يتعلق بكل ما في هذه المدينة الرائعة لا تترددوا في أن تسألوني إياه . أنا والسيد ايدن نمشي مع بعض وروميو وجولييت خلفنا . ثم أضافت :

– لقد علمت أن الجولة ستقتصر على زيارة جبل الهيكل وعلى زيارة المصلى القبلي وقبة الصخرة والأماكن الموجودة حولها هيا بنا .. بالنسبة للبقشيش لا تنسون فهو بعد انتهائنا من الجولة.

   استغرق وصولهم (لسوق القطانين) النصف ساعة وهي لا تستغرق في العادة أكثر من عشرة دقائق حيث لم تصمت شلوميت لدقيقة واحدة فلديها من المعلومات عن المدينة الكثير الكثير ولم تترك حتى بائع السوس و الحديث عنه . ومن ثم دخل الجميع من بوابة سوق القطانين الذي أتى اسمه من أن القطن في الفترة العثمانية كان يرِد إليه من مصر ويصنع ثم يصدر للخارج . دخلوا إلى ساحة جبل الهيكل أو  الأقصى حيث يطلق بالخطأ اسم المسجد الأقصى على المصلى القبلي والأصح أن يطلق على الهضبة التي تضم  مسجد قبة الصخرة والمصلى القبلي .

– رجاءاً من الجميع الإصغاء للمرشدة شلوميت .. قالت شلوميت بابتسامة ومرح وبلا تصنُّع .

وأكملت..

     تبلغ مساحة هذا المكان قرابة مائة وأربعة وأربعين ألف متر مربع وهذه الهضبة تدعى (هضبة موريا) .(والأقصى) معناه الأبعد ، للبعد ما بينه وبين المسجد الحرام في مكة ،الأقصى هو اسم الهضبة بناءا على ما يقوله المؤرخون المسلمون وهو جبل الهيكل حسب ما يقوله المؤرخون اليهود وأشرح لكم عن هذا المكان بحياد المرشدة السياحية بعيدا عن الغوص في القضايا الخلافية أو التطرق للأمور السياسية .

دعونا نصعد على الدرج من تلك الجهة الجنوبية لمسجد الصخرة فكما تلاحظون في الأعلى هنالك ساعة شمسية بارتفاع ثمانية أمتار محفورة على قطعة رخامية ذات شكل هندسي ذي خمسة أضلاع غير متساوية الأطوال بين مائة ومائة وخمسون سنتمترا وعليها نقوش تمثل الساعة وأوقاتها بالإضافة إلى عمود معدني مائل عشرين درجة باتجاه الجنوب وطوله خمسة وعشرين سنتمترا.

قالت ليزا :

– أعتقد يا شلوميت لا ضرورة للتفصيل كثيرا إلا إذا كان للسيد ايدن رأي آخر

فقال ايدن :

– إنني أوافقك الرأي فقط ما قل ودل يكفي لضيق الوقت .

  كانت الحوارات بينهم والشرح من شلوميت معظمه باللغة العبرية وأحيانا يحصل تداخل بمفردات ومصطلحات من اللغة الإنجليزية والعربية .

   نظر ايدن إلى قبة الصخرة وارتفعت عيناه عاليا لتغرق نظراته في زرقة السماء متتبعا ممرا خلقه الإله لمرة واحدة ولسفرة واحدة من هنا ومن هذا المكان وكل الأرض أرض الله ولكن هناك قدس واحدة ومعراج واحد لحبيب الله وخاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم . وقد أحب أن يقول لمن معه معلومة عن أن الهلال الموجود في أعلى قبة الصخرة وكذلك الأهلة الموجودة في المساجد الأخرى دائما ما تثبت باتجاه الكعبة في مكة المكرمة . ثم تابع بنظره  حمائم المسجد الآمنة تتنقل بين شجره وقبابه وتتوضأ من الطهر والإيمان الذي يحتضن من يصلي فوق ترابه .

– اسمحوا لي أن أصلي ركعتين لله قال ايدن ورفع يديه مكبرا وبادئا الصلاة .

(بنى عمر بن الخطاب عند فتح القدس بناءا خشبيا حول الصخرة التي تحتها يوجد كهف وبها فتحة أسطوانية ثم في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان أصبحت مسجدا ثماني الشكل يعلوه قبة مطليه بالذهب قطرها عشرين مترا وارتفاعها خمسة وثلاثون مترا يعلوها هلالا  ويحيط بالصخرة ثمانية أعمدة ).

هذا ما وضحته شلوميت للجميع بعد انتهاء ايدن من الصلاة وقالت :

يجب أن نستعد للدخول بارتداء هذا الشال ليغطي الرأس وأعلى الجسد أقصد أنا وليزا أما أنتما فالبسا هذا الحذاء النايلون فوق حذاءيكما للحفاظ على قدسية وطهارة المكان .

  زار الجميع في البداية الكهف الموجود بأسفل الصخرة حيث الفتحة الأسطوانية في سقفه وقالت شلوميت أن الصخرة هي قدس الأقداس  حسب اعتقاد اليهود وهي أصل العالم ومنها خلق الله العالم كما أن النبي إبراهيم عليه السلام قيد ابنه عليها ليذبحه ففداه الله بكبش عظيم وكذلك فإن الكثير من المسلمين يعتقدون أن المعراج بالنبي محمد عليه السلام  إلى السماء تم من خلال هذه الفتحة أو من على يمين الصخرة وأثناء شرحها التفتت حولها فوجدت ايدن يصلي لله وبعد انتهائه دعا الله أن يصلح حال الجميع ويحفظ القدس ومن في القدس ومن حولها من كل مكروه .

خرج الجميع وقد بهروا بهذا البناء وزخارفه متجهين إلى المصلى القبلي وأشارت شلوميت إلى (سبيل الكأس) المخصص للوضوء وقالت أنه من زمن العباسيين وجدده المماليك وهو أحد أربعة عشر سبيلا في الأقصى . وأضافت وهم في طريقهم للمصلى القبلى بأن هناك سبع مصليات وسبع بوائك كالتي فيها الساعة الشمسية وأكثر من خمسة عشر قبة وخمسة عشر بابا أحدها باب المغاربة الذي يصل جبل الهيكل بساحة الحائط الغربي . في المسجد الأقصى رواقان وثلاثة عشرة مدرسة والعديد من الزوايا والغرف .

– هيا بنا نستعد لدخول المسجد القبلي كما دخلنا مسجد قبة الصخرة قالت شلوميت

وفور دخولهم اتجه ايدن للقبلة وصلى ركعتين ثم بدأ الجميع في جولة وكانت شلوميت تشرح لهم عن تفاصيل المسجد القبلي الذي تعلوه قبة رصاصية ويوجد به المحراب والمنبر الرئيسيان وطوله ثمانون مترا وعرضه خمسة وخمسون كما أن له أحد عشر بابا ويتسع لخمسة آلاف وخمسمائة مصلي وأشارت إلى تعرضه للحريق على يد متطرف يهودي .

قاموا أيضا  بزيارة المصلى المرواني ومسجد البراق واتجهوا إلى باب المغاربة حيث كان  على غير العادة مفتوحا فخرجوا منه متجهين إلى ساحة المبكى وأكملوا طريقهم إلى جوار كنيسة القيامة ومنها خرجوا إلى باب الخليل باتجاه الموقف .

– إلى أين الآن يا  ؟ سألت شلوميت

وهنا قال ايدن :

– أرجو منكم يا أبنائي أن تعذروني فحتى أنا لم أستطع إقناع أبو عيسى صاحب الفندق عن العدول عن رأيه في دعوته للجميع لكي نتعشى ونحتفل في هذا المطعم بالقدس الغربية .

 ناول ايدن ورقة كتبتها فتاة الاستقبال له عندما ذهب إلى الفندق فور عودتهم من زيارة الشيخ عبد القادر وذهاب ايدين للفندق لوضع الحقيبة في الأمانات فوجد أن أبو عيسى قد اتصل به ولم يجده فطلب ايدن من الفتاة الاتصال بأبو عيسى فأخبره أبو عيسى أنه يدعوه للعشاء فاعتذر ايدن لأنه وعد ليزا وآدم بالعشاء معهما ومشاركتهما الاحتفال يعيد ميلاد ليزا فأصر أبو عيسى على دعوة الجميع في المطعم الذي كتبت فتاة الاستقبال اسمه وأعطته لايدن.

– ولكن ..قالت ليزا

فرد ايدن :

– لا فرق بيني وبين أبو عيسى فلو لم يدعوكم أبو عيسى لكنت أنا صاحب الدعوة ولا مجال للرفض أو حتى التردد فأبو عيسى ينتظرنا هناك الساعة الثامنة فما رأيكم بالعودة كل لبيته ونلتقي في المطعم الساعة الثامنة تماما وأنا سأعود للفندق .

فقال آدم سنأتي الساعة السابعة والربع لأخذك من هنا

– بواسطة (أوبر ).. سأطلبه من الفندق

– فرد آدم بالرفض وأصر على أنه سيحضر مع ليزا لأخذ ايدن للمطعم

وعندما حضر آدم وليزا في الموعد المحدد وأخذا ايدن اتجه الجميع نحو المطعم الذي في (شارع اجريباس) في القدس الغربية.

   ايدن ينظر إلى يمين ويسار الشارع ويشعر بأنه مسافر إلى كوكب آخر وكل ما حوله خارج أسوار زهرة المدائن ينفض عن نفسه غبار التاريخ وعبئ الماضي . الناس في الشوارع مسرعة وذاهبة إلى مكان ما أو أحيانا إلى اللامكان كما أنه شعر بأن الزمان خارج الأسوار قد أفرز اشياءاً أخرى .

    المدينة التي يحبها ابتعدت قليلا عنه وعن نفسها وهناك على رؤوس الجبال تحيط بها أضواء متوهجة تنير الطريق فقط بعيدا عن دفء المعابد والمساجد والكنائس ولا يكاد يسمع فيها دعاءاً أو تسبيحاً أو ترنيمة. لقد رأيت مثل ما أراه الآن في كل مكان في العالم ولكنني لم أرى ما رأيته في حضن الأسوار إلا القدس ؟!

– ما بالك مشغول سيد ايدن قالت ليزا

– أبدا يا ابنتي فهنا كما ترين ..إن المساحيق والألوان وعمليات التجميل تجعل وجه القدس أكثر غرابة ولكنه لا يزال جميلا .

– إننا يا سيد ايدن لا يمكننا أن نعيش في الماضي أو من أجل الماضي طول الوقت

وأضاف آدم :

– كما أن الحياة تتطور ومتطلباتها تتغير ..أنظر إلى هذا الموبايل ، لقد غير سلوك وتعامل الناس واختصر الوقت وجعل العمل والتواصل أفضل

ابتسم ايدين وهز رأسه بالموافقة الماكرة وقال :

– أرجو ذلك ، الخير لا ينتهي من قلوب الناس والحب يعانق التاريخ والأسوار والأرصفة والأزقة القديمة كما يعانق الأشجار والورود وناطحات السحاب والطائرات واللاب توب وأجهزة ألعاب الفيديو .

وهنا قالت ليزا :

– لقد اقتربنا كثيرا من العنوان المكتوب . هذا هو شارع (اجريباس) ..أنا سعيدة جدا بصحبتكم وباحتفالي بعيد ميلادي معكم .

الساعة الثامنة تماما الآن والمنطقة التي فيها المطعم تعج بالناس ففيها العديد من المطاعم والمقاهي والجو في غاية الروعة حيث شعرت ليزا بعد حضور الجميع في الوقت المحدد أن الزمان توقف ليهنئها بعيد ميلادها وأن كل من حولها قد حضروا خصيصا ليباركوا لها . قلبها الأبيض الخالي من الحقد والكراهية للآخر ينبض بحب الجميع وبهذا الشعور الغامر بالسعادة .

بدأ الكلام أبو عيسى بالقول :

   اسمحوا لي يا أينائي بعد الاعتذار لايدن أن أشاركم هذا العشاء للاحتفال بعيد ميلاد ليزا التي أحببتها وأحببت صديقها آدم نتيجة لما قاله لي ايدن الذي يحبكما مثل أولاده . كما أرحب بالآنسة…

– شلوميت قالت ببعض الخجل

فأكمل أبو عيسى قائلا :

أتمنى أن تكون تلبيتكم لدعوتي فاتحة خير على هذا المطعم الذي افتتحناه أنا وأخوتي منذ أسبوعين . إن في خدمة الآخرين متعة ونتمنى أن نفتتح له فروعا أخرى إذا وفقنا الله ونجحنا .

– مبروك قال ايدن إنها مفاجئة لي لم أكن أعرف أن المطعم لكم

– ألف مبروك قال كل من ليزا وآدم وشلوميت

تناول الجميع عشاءهم من المشويات المميزة بالإضافة إلى السلطات والطحينة والحمص وبابا غنوج والفتوش مع الخبز البلدي المميز. وبعد ذلك كان الوقت المناسب لتناول الحلويات حيث أحضر الجرسون كعكة جميلة كتب عليه تهنئة رقيقة لليزا التي لم تسعها الدنيا حيث فرحت لدرجة البكاء وكان الجميع يشاركونها مشاعرهم الصادقة التي تعبر عن دفئ القلوب وصفاء العقول .

   قالت ليزا وهي تمسح الدموع بمنديل أعطاها إياه أبو عيسى ومقدما زجاجة عطر كهدية قال أنها متواضعة وهي من ماركة مشهورة  قالت :

   أشكركم جميعا وليس بإمكاني التعبير عما أشعر به اتجاه أناس أحببتهم من قلبي وخاصة العم أبو عيسى والأب ايدن . أنا غير مصدقة لما أراه وكأنني في حلم لا أريد الاستيقاظ منه أشكركم .

قدم ايدن الإسواره الفضية لليزا قائلا :

   لو أستطيع أن أقدم لك قلبي ما تأخرت لحظة فإنني لم أعرفكم إلا من أيام وكأنني أعرفكم طول عمري .. أنا أيضا أود أن أشكركم وأخص بالشكر أخي أبو عيسى الذي أتمنى له التوفيق والنجاح وأتمنى أن يدعونا في عيد ميلاد ليزا القادم في فرع مطعمه في  تل أبيب أو الناصرة .

فرد أبو عيسى :

– إن شاء الله وربما أدعوكم وتكون ليزا وآدم وشلوميت قد حصلوا على شهاداتهم الجامعية وتم عقد قران ليزا وآدم .

– أشكرك عمي أبو عيسى قال آدم

– أشكرك يا عم أبو عيسى أضافت ليزا

  كذلك فإن آدم وشلوميت قدموا لليزا هداياهم وأطفأت ليزا في تلك الليلة شموع عيد ميلادها الأكثر سعادة وبهجة .

رجعت ليزا وآدم إلى شقتهما  وكذلك شلوميت أما أبو عيسى فقد أصر عل إيصال ايدن إلى الفندق بنفسه وفي الطريق الذي يستغرق ثلث ساعة بالسيارة للوصول إلى باب الخليل كان الحديث بين أبو عيسى وايدن وديا وقد تكلما عن المدة التي سيمكثها ايدن قبل مغادرته البلاد فقال ايدن :

  -لا اعرف تماما متى أغادر ولكن على ما أعتقد لن تزيد عن ثلاثة أيام

– ولماذا بهذه السرعة ؟

– لقد جئت يا أخي أبو عيسى لأزور أحب بقعة على وجه هذه الأرض إلى قلبي ثم أعود إلى الديار .

– وما هي خطتك للأيام المقبلة

– سأذهب غدا إلى بيت لحم لزيارة كنيسة المهد ثم إلى الخليل لزيارة الحرم الإبراهيمي وكذلك لا بد لي من زيارة الناصرة والساحل .

– لولا انشغالي مع المهندس والعمال والإشراف على بناء بيتي الجديد لشعرت بالسعادة أن أكون برفقتك فلم أذهب لزيارة هذه الأماكن منذ أن كان أولادي صغارا.

– دائما أهل البلد يلجؤون إلى تأجيل زيارة معالم بلدهم هكذا في كل الدنيا !

– العمر يمضي يا سيد ايدن ونحن في كل يوم نقول غدا .. غدا

– أن تحضر متأخرا خير من ألا تحضر أبدا

– بارك الله لنا فيك ها نحن نقترب من باب الخليل وربما أستطيع أن أرافقك في رحلتك إلى الناصرة والساحل وسنذهب بسيارتي وربما نلتقي بآدم وليزا ليرشدوننا في التعرف على الناصرة ويافا وباقي المناطق .

– أشكرك على كل شيء وليلة سعيدة

– رجاءا خذ كرتي من الاستقبال فيما لو احتجت الاتصال بي .. ليلة سعيدة .

وصل ايدن إلى الفندق وألقى التحية على موظفة الاستقبال وطلب منها كرت أبو عيسى وصعد إلى غرفته ولا يشغل تفكيره غير ما هو موجود في الورقة التي أعطاه إياها الشيخ عبد القادر .

أخرج زجاجة السائل السحري من بين أغراضه الموضوعة في شنطة اشتراها عندما اشترى بعض الملابس ومسح به ورقة الشيخ عبد القادر وتركها لتجف وعندما بدأت الكلمات في الظهور شعر ايدن بالدهشة وأخذ يقرأ بصوت مسموع :

“ عندما تصل إلى الطور ابحث بالقرب منه عن قبيلة (الجباليه) واذهب إلى منزل إبن شيخ القبيلة (عمر) .. من رأيته في حلمك على حصانه الأبيض واذهب معه إلى كنيسة (سانت كاترين) لتعطي الحقيبة للأنبا ( بطرس)” .

في اليوم التالي استيقظ ايدن في الساعة التاسعة متأخرا عن موعد استيقاظه اليومي قرابة الساعة السابعة حيث لم يستطع النوم بعد قراءته الورقة واستيقظ أكثر من مرة لرؤيته العديد من الكوابيس . كان خائفا من عدم استطاعته إيصال الحقيبة إلى ذلك المكان البعيد .. – كنيسة سانت كاترين إذن .. حدث ايدن نفسه وذهب لتناول إفطاره ؛حيث وجد أنه تأخر هذا الصباح لولا انتباه علياء موظفة الاستقبال وتوصيتها لمن في المطعم أن يعدّو لايدن إفطارا بعد أن بدأوا في إغلاق صالة المطعم لاقتراب الساعة من العاشرة .

– أشكرك يا ابنتي علياء على الإفطار . قال ايدن

– لا شكر على واجب

– هل باستطاعتك طلب تاكسي أريد السفر إلى كنيسة المهد

– إن التاكسي إلى هناك يكلفك مبلغا كبيرا وأقترح عليك الذهاب بالتاكسي إلى محطة الباصات ومن هناك تذهب إلى بيت لحم عموما المسافة إلى هناك لا تزيد عن عشرة كيلومترات ولكن بالتاكسي مكلفة جدا .

– كما تريدين أشكرك

– من الممكن أن تمشى ربع ساعة لباب العمود وتتجه منه شمالا لمحطة الباصات .

– وهذا أيضا اقتراح جميل يجعلني أكثر نشاطا

   خرج ايدن من الفندق متجها إلى باب العمود ووصل لشارع (بيت هباد) او شارع (المفتي) كما يحلو للبعض أن يسميه ولم يقاوم رائحة الكنافة المنبعثة من (حلويات جعفر) فتناول ربع كيلو مع كوب ماء بارد وخرج ليحتضن القدس بنظراته ورائحة (بن ازحيمان) المطحون تعطر المكان . يصعد الدرجات التي تسبق باب العمود ويذهب إلى صراف بجانب الباب ليبدل مبلغا من المال ربما يحتاج إليه في سفره. رجع عدة خطوات إلى الوراء ووقف بالقرب من القهوة الموجودة أعلى الدرج متأملا الداخل والخارج إلى ومن أسواق المدينة التي لا تشبه المدن حيث هنالك علاقة لا يستطيع أحد حل رموزها وربما طلاسمها بين الزمان والمكان وبين من يدخل ومن يخرج منها .إنها القدس يا ايدن قال لنفسه فكيف أحبها كل هذا الحب وأفارقها وأنا لا أشتاق لمدينة  تسكن كل جوارحي وهي أقرب للقلب والعقل من نفسي؟!

تساقطت بعض الدموع على خد ايدن وبللت لحيته فمسحها بيده مبتسما وكأن ابتسامته قبلة طبعها على قباب القدس وأسوارها. اتجه خارجا من باب العمود وصاعدا الدرجات إلى شارع  السلطان سليمان ليقطعه متجها شمالا حيث محطة الباصات على مرمى بصره  وكذلك (قبر الحديقة) في تلك المنطقة وهو الآن بالقرب من وزارة الداخلية كما أنه قريب جدا من مكان خط الهدنة سنة ألف وتسعمائة وتسعة وأربعين .

   يسافر ايدن إلى المكان الذي حصلت فيه إحدى معجزات الخلق . إلى حيث رأى الناس بعيونهم ما لم تصدقه عقولهم . إلى حيث تجلى نور الله ليضيء عالم أناس ابتعدوا عن الطريق . ركب ايدن في الباص المتجه إلى بيت لحم وكان المؤذن يرفع الآذان في المسجد القريب من المحطة .

  فيعود الشريط السينمائي مع صوت الآذان فيجد ايدن نفسه يحفر خندقا مع أهل المدينة بناءا على رأي مسلم فارسي كان ليس له أي شأن وصار رمزا ينير تاريخ الاسلام . وتتوالي المناظر أمام عينيه فيغفو ليرى عمر الذي حلم به مسبقا على حصانه الأبيض يأتي ويقف أمامه فيترجل ويقبل يدي ايدن ويقول في أدب جم :

أيها السيد ايدن نحن بانتظارك على أحر من الجمر هنالك الكثير ينتظرنا لنفعله .

  يصحو ايدن على صوت المحصل لفحص التذاكر ثم يعود ليغمض عينيه ويصحو عند وصول الباص إلى بوابة في جدار لا يشبه أسوار القدس ثم يمضى الباص ليصل إلى محطته الأخيرة في بيت لحم حيث تبعد المحطة كيلومترين عن كنيسة المهد وتستغرق بالتاكسي عشرة دقائق تقريبا . نزل ايدن من الباص واستقل سيارة أجرة حيث وصل إلى مكان ولد فيه الزمان . وقف ايدن ينظر لكنيسة المهد التي تضم كهف ميلاد المسيح وهو المكان الذي وُضع فيه بعد مولده وأرضيته من الرخام الأبيض ويزين الكهف خمسة عشر قنديلا فضيا وهي تمثل الطوائف المسيحية المختلفة وكذلك العديد من صور وأيقونات القديسين.

  والكنيسة عبارة عن مجمع ديني كبير فهي تحتوي على مجموعة من الأديرة والكنائس التي تمثل الطوائف المسيحية كالدير الأرثوذكسي والأرمني والفرنسسكاني وتحدد الصلوات في الكنيسة لطوائف الروم واللاتين والأرمن وفق جدول وضع في الفترة العثمانية وما يزال  يُعمل به حتى  يومنا  هذا وهو  ما  يسمى ( ستاتو كو) أما الأقباط والسريان فيسمح لهم مرتان في السنة .

  أخذ ايدن يتأمل النجمة الفضية الموجودة في المذود المزين بالمرمر ومكتوب عليها باللاتينية ما معناه (هنا ولد المسيح يسوع من العذراء مريم) نعم هنا يا ايدن كانت بداية من بدايات بني البشر . تجول ايدن في الكنيسة لأكثر من خمس وأربعين دقيقة وصلى ودعا الله كثيرا ثم خرج ليسأل أحد المسؤولين عن الأمن عن كيفية الذهاب لمحطة الباصات فأشار له أن يستقل باصا من محطة قريبة من ساحة الكنيسة . وصل ايدن إلى المحطة وسأل السائق عن موقف باصات مدينة الخليل فأرشده إلى ذلك ثم استقل الباص واشترى من بائع في المحطة كعكة بالسمسم وزجاجة ماء وما هي إلا دقائق حتى انطلق الباص متجها لمدينة خليل الله إبراهيم أبو الأنبياء .

   الطريق إلى الخليل من بيت لحم طوله ثمان وثلاثين كيلو مترا ويستغرق بالباص ساعة وربع هذا ما أجاب به الراكب الذي بجانب ايدن عندما سأله عن ذلك وسأل الراكب ايدن :

– وأين تريد أن تذهب في الخليل

– الحرم

– حرم المسلمين أم حرم اليهود ؟ يعني الحرم الإبراهيمي الشرىف أم كهف البطاركة (مغارة المكفيلة)؟

– ماذا؟!

– من المؤكد أنك غريب ولم تأتي إلى هنا منذ وقت طويل فبعد المذبحة التي نفذها (باروخ جولدشتاين) سنة ألف وتسعمائة وأربعة وتسعون تم تقسيم المسجد بين المسلمين واليهود ويفتح بشقيه أمام المسلمين في أيام الجمعة من شهر رمضان وكذلك ليلة القدر .

– ولكنني سمعت أنه يسمح للزوار المسيحيين والأجانب بزيارة القسمين

– الإجراءات الأمنية طويلة ومعقدة

– إن الثواب على قدر المشقة

– أعانك الله على هذه الزيارة

   بدأ ايدن في الدعاء لله أن يسهل أمره وهو ينظر من خلال نافذة الباص إلى التلال المحيطة وقد لاحظ كثرة كروم العنب في الطريق فيما انشغل من يجلس بجواره مع زوجته وابنته اللاتي تجلسان في الكرسي المقابل .

  إنها الأرض المباركة حقا إنني أكاد أسمع تسابيح الأشجار والطيور وكل ما يوجد في هذه البقعة من العالم لقد اختارها مَن خلقها لتكون ممرا من الأرض إلى السماء ومهدا ليسوع المسيح واختار أن يُدفن فيها حبيبه وخليله إبراهيم عليه السلام .

 وصل الباص إلى الموقف الرئيسي بمدينة الخليل ثم استقل ايدن سيارة تاكسي ليصل إلى الحرم الإبراهيمي وكم كان محظوظا حيث تعامل معه أمن الحرم على أنه أجنبي فسمح له يأن يزور المسجد الإبراهيمي وكهف البطاركة وقد كان محظوظا أكثر ليس لأنه صلى في القسمين ولكن لأن إدارة المكان أرسلت معه مرشدا ليشرح له عن الحرم بشكل جعله يشكر الله لاستجابته لدعائه.

هذا الحرم رابع الأماكن المقدسة عند المسلمين وثاني الأماكن المقدسة عند اليهود  بعد جبل الهيكل وقدسيته جاءت لأنه مبني فوق مغارة مدفون فيها كل من النبي (إبراهيم) وزوجته (سارة) وولدهما (اسحق) وولده (يعقوب) وزوجتهما (رفقة) و (ليئه)  وتذكر  بعض الروايات بأن  (يوسف) و(آدم) و(سام) و(نوح) مدفونون هناك  أيضا  .

الكثير من التفاصيل أخبر بها المرشد السيد ايدن الذي غادر الحرم وهو يتمنى أن يعود إليه فيجده موحدا والكل يصلي فيه ويدعو الله أن يرزق الجميع ويوفقهم لخير دنياهم وآخرتهم .

  بعد تلك الزيارة التي جعلت ايدن يغوص في أعماق التاريخ فيجد أبو الأنبياء يبتسم له ويدعوه ليصليا سويا صلاة طاهرة نقية مقدسة يقتربان بها كثيرا من طاعة الخالق حيث يؤمن ايدن مع أبيه إبراهيم بدين تنبع منه جميع الأديان وتنتمي إليه كل معتقدات بني البشر قديما وحديثا . قبل أن يغادر المكان جلس على أحد الحجارة ونظر  إلى ذلك المكان الذي يلخص الحكاية ويختصر كل القصص والروايات والأحاديث في قصة نبي بحث عن ربه فوجده وأنقذه وكرمه . يرى سيدنا إبراهيم الذي أصبحت نار النمرود عليه بردا وسلاما لأن ثقته بالله كانت ثقة نبي بإلهه . ها هو يتجسد أمامه وهو يهم بذبح ابنه تنفيذا لمتطلبات رؤيا نبي ، ورؤيا الأنبياء حق فيفديه ربه بكبش عظيم ليبقى ويكون من  نسله خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم .

   يتحرك ايدن من مكانه متجها إلى أسواق المدينة باحثا عن مطعم لتناول طعام الغداء . وعند سؤاله أحد المارة ليدله على مطعم يشتهر بالأكلات الشعبية .يدخل ايدن و يجلس متصفحا قائمة الطعام . . قدرة خليلية ، مقلوبة ، ورق (دوالي) عنب ، مسخن ، عكوب باللبن، ششبرك ، مفتول…

  يختار ايدن المقلوبة بالقرنبيط (الزهرة) حيث أن موسم الزهرة شتوي أما مقلوبة الباذنجان فهو صيفي وهذا ما أوضحه له الجرسون وبعد ذلك اتجه نحو موقف الباصات  بعد أن وصف له صاحب المطعم كيف يصل إليه .

  وجد طابورا أمام شباك تذاكر الباص المتجه للقدس وبعد ربع ساعة من الانتظار وما زال خلفه طابور طويل رأى سيدة عجوز تحاول الوصول إلى شباك التذاكر فيخبرها الجميع بأن عليها الذهاب لآخر الطابور ولكن ايدن كان له رأي آخر حيث نادى السيدة العجوز لتقف مكانه ورجع هو لآخر الطابور وكانت المفاجئة وهي رجوع كل من كان خلفه بدورهم إلى آخر الطابور وتصبح الحالة وكأن الجميع قبل عمليا أن يدع العجوز لتقف أمام ايدن وبالتالي أمام الجميع . جلس ايدن في الباص ولم يلبث أن جلس بجانبه شخص يرتدي بدلة كحلية وربطة عنق حمراء ويحمل في يده حقيبة بنية وضعها في الرف الأعلى ثم جلس قائلا :

– مساء الخير

– مساء النور أهلا وسهلا

– هل أنت من الخليل؟ سأله ايدن

– نعم من قرية (حلحول) إحدى قرى الخليل

– وأين تعمل ؟ أود أن لا تكون متضايقا من أسئلتي

– أبدا فالطريق طويل والأحاديث تجعلنا لا نشعر بذلك أنا دكتور أدرس الفلسفة وعلم النفس في جامعة ( بيرزيت)

– الفلسفة نشاط إنساني قائم على الافتراضات والنظريات أليس كذلك ؟ سأل ايدن

– بالضبط

– كما أن علم النفس هو عبارة عن مجموعة من الدراسات العلمية التي تفسر السلوك البشري وشخصيات الأفراد للتوصل إلى فهم دوافع السلوك وتفسيرها والتنبؤ بها والتحكم فيها .

– نعم كلامك في غاية الدقة .لم أتعرف بك  يا سيد..

– ايدن

– هل درست الفلسفة وعلم النفس ؟

كلا ولكنها الحياة يا دكتور..

– نائل .. نائل الزماعرة نسبة إلى جدنا الكنعاني (زمعر) تفضل أكمل من فضلك

– نعم فإن مدرسة الحياة تعلم الكثير إن حياتنا يا دكتور نائل ملكنا ومن الخطأ عمل توكيل للآخرين لكي يتخذوا القرارات التي تحدد مصيرنا بالنيابة عنا . نحن نملك أن نبتسم وأن نكون نحن وأن لا نخطو خطوة إلى الوراء إلا إذا أردنا . كما أن العلم ..العلم هو المفتاح السحري لحياة أفضل .

– صحيح العلم هام جدا يا سيد ايدن ولكن في الوقت الحاضر لا يوجد الكثير ممن يقدر العلم وأصبحت نظرة المجتمع إلى المعلم ليست مثل الماضي حتى على مستوى الاحترام والتقدير .

– أوافقك الرأي يا دكتور ولكن هذا ما يجب أن  نتحمل مسؤوليته نحن ، أنا وأنت

– الواقع يا سيدي شيء مختلف تماما عن النظريات الموجودة في الكتب

– هل يعني ذلك أن ندع الخلق للخالق كما يقولون

– أبدا.. أبدا يجب علينا أن نعمل ما يمليه علينا ضميرنا

– هل لي أن اقص عليك قصة؟

– على الرحب والسعة كلامك جدا ممتع ومفيد

– أشكرك.. (دكتور هندي مشهور ومتخصص في علم النفس ألف كتابا فاقت مبيعاته مبيعات كل الكتب في الهند بعد أن أصبح من أشهر أطباء الهند قرر التحري بكل الطرق حتى لو كلفه ذلك كل ما يملك ، التحري والبحث عن أبويه كونه لقيطا تربى في أحد الملاجئ ولكن ذكاءه وإصراره وقوة عزيمته منحاه القوة والتصميم على التميز في النجاح ولم يكتفى إلا بالوصول إلى أعلى المستويات وتحصيل العديد من الشهادات من أفضل الجامعات ..توصل أخيرا بعد طول البحث إلى قبر أبيه وأمه وأصبح يذهب إلى القبرين ويضع كرسيا بينهما ثم يكيل أبشع المسبات والشتائم لأبويه . ويمضي الوقت إلى أن يصل إلى نقطة الصفر أو التعادل النفسي أو سمِّها كما شئت يا دكتور نائل .

– وماذا يحدث بعد ذلك ؟ إنها قصة رائعة

– يؤلف كتابه الذي يمكن أن تضع عنوانا له هذه العبارة ( يعيش الإنسان نصف عمره يبحث ويفكر في الماضي ويعيش النصف الآخر قلق محتار خائف من المستقبل أما الحاضر فلا وجود له فلا يعيشه ولا يستمتع به)

– صدقت يا سيد ايدن وأشكرك كثيرا على هذه القصة الرائعة والمفيدة

– جاء دوري في السؤال عن معنى (حبرون) و(أربع) كأسماء لمدينتكم الخليل ؟

– عندما حضر سيدنا ابراهيم الخليل من مدينة (أور) السومرية كانت تسمى بقرية (أربع) نسبة إلى الملك الكنعاني  (أربع) وسميت بعدها (حبرون) لأحد سببين إما نسبة للملك  (عفرون) الحثي الكنعاني الذي باع المغارة لإبراهيم حسب الرواية التوراتية بأربعمائة (شيقل) وكان الشيقل هو العملة الكنعانية وإما لكونها مشتقة من كلمة (حافير) العبرية أو الخليل بالعربية .

واستمر حديث ايدن مع الدكتور نائل حتى أنهاه وداعهما لبعضهما بعد وصولهما لمحطة الباصات في القدس .

رجع ايدن من محطة الباصات من نفس الطريق سيرا على الأقدام وعندما وصل إلى الفندق أخبرته موظفة الاستقبال بضرورة الانتظار لكي تتصل بأبو عيسى بناءاً على طلبه فهو يريد أن يخبرك شيئا.. دقيقة واحدة من فضلك

– حاضر

– تفضل أبو عيسى على الخط

– مساء الخير أخي أبو عيسى

-مساء النور عزيزي ايدن أنا محظوظ وسعيد لاستطاعتي مرافقتك غدا في رحلتك كن مستعدا في تمام الساعة السابعة صباحا سأكون في الموقف مقابل باب الخليل

– هل تريد أن أتصل بليزا وآدم إذا كان بإمكانهما لقاءنا في يافا والناصرة .

– ربما عندهم دوام الآن في الجامعة فالدراسة في الجامعة العبرية صعبة عموما حاول فوجودهما مفيد

– تصبح على خير

– وانت بألف خير

اتصل ايدن بليزا وسألها عن إمكانية مرافقتها مع آدم له ولأبو عيسى فاعتذرت بالنيابة عن آدم لانشغاله بالدراسة ولم تمانع هي أن ترافقهما .

الساعة السابعة صباحا كان أبو عيسى منتظرا في الموقف بسيارته الجيب البيضاء وبعد وصول ايدن بدقائق وصل آدم وليزا حيث اعتذر لهم آدم وتمنى لو أستطاع أن يكون معهم واخبرهم بأن ليزا لديها معلومات كثيرة عن مدن الساحل وطبعا بلدها (الناصرة) وتمنى لهم أن يقضوا معا أسعد الأوقات ثم غادر الموقف عائدا لمنزله أما ايدن وليزا وأبو عيسى فبدأوا رحلتهم فور مغادرة آدم للموقف بالاتجاه إلى شارع يافا حيث الوصول إلى يافا يستغرق خمس وخمسون دقيقة والمسافة من باب الخليل تسع وستون كيلومترا . ثم يمينا إلى نفق وشارع (هاتسانهنيم) حتى وصلوا شارع (يجائيل يادين)  ثم الطريق رقم  واحد الذي يربط مدينة القدس بالساحل .

وقبل وصولهم لمدينة (الرملة) اتجهوا للشارع أربعمائة وواحد وثلاثون وبعده الشارع عشرون ثم وصلوا إلى  عروس البحر( يافا) الذي يعني اسمها الكنعاني (يافي) ويعني الجمال وبعض المؤرخون ينسبه إلى( يافث) ابن نوح عليه السلام وتقع جنوب نهر( العوجا) أو( اليركون) بسبعة كيلومترات وفي يافا القديمة تناولوا طعام إفطارهم من الحمص والفول والفلافل وبعد ذلك ذهبوا بالقرب من جامع البحر يافا و( كنيسة القديس بطرس) وأضافت ليزا أن الكنيسة تستعمل الآن سفارة لدولة (الفاتيكان) وهي للكاثوليك الفرانسيسكان حيث زار القديس (بطرس الرسول) المكان وبقي فيه ثلاثة أيام ، ثم قالت لقد نسيت إخباركم نزول النبي يونس شواطيء هذه المدينة في القرن الثامن قبل الميلاد ليركب منها سفينة قاصدا (ترشيش) التي كانت حسب المصادر التوراتية مصدرا لثروة الملك سليمان العظيمة من المعادن .بعد ذلك  ساروا على الأقدام بين أشجار وورود تلك الحديقة الجميلة حديقة (ميدرون) المطلة على مدينة (تل أبيب) وشاطئها الرائع والتقطوا لأنفسهم بعض الصور أمام برج الساعة وهو واحد من  سبعة أبراج أقيمت في مدن فلسطين احتفالا بمرور خمسة وعشرون عاما على اعتلاء السلطان (عبد الحميد الثاني) العرش العثماني . وبالقرب من (جامع حسن بيك) في حي (المنشية) طلب ايدن  من ليزا وأبو عيسى أن يرافقوه لرغبته في السير بمحاذاة البحر ثم أخذ يقلب نظره مرة باتجاه المدينة الحديثة ومرة باتجاه يافا التي تحاول أن تخبره بالكثير من أسرار ماضيها ، يافا التي تحتضن البحر أو يحتضنها ، يافا التي تتعطر برائحة الزعتر ولخبزها طعم البرتقال، يافا التي بكت ولم تمحو أمواج البحر الأبيض ابتسامتها .

 طلب ايدن ممن معه الجلوس قليلا في ظل تلك الشجرة . شجرة برتقال عرفها ايدن على الفور وفور وصولهم مد ايدن يده وأخذ يحركها على أوراق الشجرة الرمز لمدينة يافا وكأنه يداعب شعر حبيبته التي طال انتظارها حيث بكت عيناه حتى تبللت ذقنه فناولته ليزا منديلا فابتسم قائلا :

– هل تعلمين يا ليزا لماذا تفوح رائحة برتقال يافا لتصل كل أرجاء العالم ؟

– لماذا يا سيد ايدن ؟

– لأنها تنبت في الأرض المباركة ..لأن جذورها تمتد لتعانق جذور زيتونة في القدس وشجرة لوز في رام الله وتينة في نابلس وشجرة بلوط في جنين وعنبة في الخليل . لأن خضرتها تعكس طيبة من يسكنون أرض المحبة والسلام والرسالات . هذه البرتقالة يا أخي أبو عيسى صديقة للبحر وتتنفس أكسجين حيفا وتحتضن كل صباح النسمات التي تهب من القدس . إنها برتقالة ليست ككل البرتقال فمن يتذوق حلاوة طعمها لا يظمأ أبدا.

تابع الجميع جولتهم وكان لا بد من أكل الآيسكريم من أحد المحلات الموجودة على الشاطئ في منطقة الفنادق الكبرى وتحديدا في (كيكارأتاريم) ثم الرجوع ليستقلوا سيارتهم ويمروا بشارع (اللنبي) وكذلك شارع (ديزنغوف) التجاري الحيوي وتجولوا في الكثير من الأماكن حيث زاروا ساحة الملوك وبرج (شالوم مائير)  وكانت ليزا التي تعرف المدينة عن ظهر قلب كما يقولون تشرح لايدن وأبو عيسى عن ما يمرون به من أماكن وما يسألون عنه من معلومات .

   مائة وخمس كيلومترات تستغرق ساعة ونصف ، كانت المسافة التي قطعتها سيارة أبو عيسى من تل أبيب إلى الناصرة مرورا بمدينة (ملبس) أو (بيتاح تكفا) و(كفر قاسم) حيث سلكوا الشارع رقم خمسة ثم تحولوا للشارع رقم ستة أو شارع (اتسحاق رابين) مرورا بمدينة (مجيدو) وبمحاذاة (العفولة) ثم وصلوا إلى الناصرة .

– مرحبا يا أمي قالت ليزا بعد اتصالها بوالدتها (ميريام)

– أهلا يا حبيبتي

– هل كل شيء على ما يرام ؟

– نعم

– نحن على مشارف الناصرة

وهنا سألها ايدن :

– ماذا هنالك؟

أجابت ليزا:

– هل تأتون إلى بلدي وأترككم بدون أن أقوم بواجبكم لقد احتفلتم بي وأسعدتموني وكأنني ابنتكم في القدس ..

– أنت إبنتنا فعلا قال ايدن وهز أبو عيسى رأسه بالإيجاب .

وعندما وصلوا بيت ليزا كان في استقبالهم والد ليزا الدكتور (خوري) وهو عضو في الكنيست ووالدتها ميريام وأختها (كارمن) حيث كان استقبالهم لايدن وأبو عيسى حافلا ثم تناولوا الغداء وكان أكلة ( المسخَن) والكثير من المقبلات وبعد الغداء سأل أبو عيسى كارمن عن دراستها فأجابت أنها تدرس التصميم الداخلي في جامعة (حيفا) وقد أنهت مائة وأربعين ساعة معتمدة وتكلموا في عدة مواضيع ثم قالت لهم ليزا سنتأخر على تنفيذ برنامجنا هيا بنا ..

– دعينا فرحين وسعداء باستضافة السيد ايدن والسيد أبو عيسى قالت ميريام والدة ليزا

– معها حق قال أبو عيسى لا يُمل الحديث معكم ولكن علينا العودة مساءا للقدس .

– نعم فأبو عيسى مشغول جدا ببيته الجديد قال ايدن

– ألف مبروك قال الدكتور خوري وزوجته وابنته

– هل من أحد يود صحبتنا ؟

 فقالت كارمن :

– أنا

فقال أبو عيسى :

– على الرحب والسعة يا ابنتي

وبدأت ميريام أم ليزا تدعو الله في سرها أن يوفق الجميع في جولتهم وما أن انتهت من دعائها حتى قال ايدن مبتسما وناظرا إلى ميريام :

– آمين

فشعرت بقشعريرة تغمر جسدها

لوَّح جميع من في السيارة بالوداع بعد أن تحركت السيارة

قالت ليزا :

– سنبدأ بزيارة ( بازيلكيا البشارة ) التي تقوم على الموضع الذي كان فيه بيت مريم الذي بشرت فيه بأنها ستلد يسوع المسيح وهي على مقربة من الجبل المطل على مرج ابن عامر وكان اليهود قد حاولوا أن يلقوا بيسوع من فوقه إلى الأسفل .

بعد وصولهم إلى الكنيسة نزلوا إلى الطابق السفلى حيث قدس الأقداس ومغارة مريم حيث نزل الملاك (جبرائيل) على مريم وزف إليها البشرى بأنها ستحمل المسيح في رحمها .

نظر ايدن حوله وكأنه يحتضن بنظراته كل ما تقع عليه عيناه أما أبو عيسى فعيناه فاضتا بالدموع فَلِلْمَكان تأثير غير عادي على من يستطيع الفوز بإكرام الخالق له ومنحه الفرصة بأن يتقرب إليه بالصلاة والدعاء .

قالت ليزا:

– الكنيسة رمز لمدينة الناصرة والناصرة عنوان المحبة في هذا العالم والتي كان اسمها الكنعاني (آبل) وذكر اسم الناصرة في العهد الجديد وأخذ من اسمها كلمة النصارى من ناصر المسيح والكنيسة من طابقين قديم في الأسفل وحديث في الأعلى كما سترون .

  زاروا العديد من معالم المدينة والعديد من الكنائس ككنيسة ( المجمع ) وكنيسة (القديس يوسف) وكنيسة (البلاطة )التي بها صخرة حجرية كبيرة اعتبرها المسيحيون الفرنسيسكان المائدة التي تناول عليها يسوع وتلاميذه الطعام . وكذلك مروا بالعديد من الكنائس الأخرى ومعالم المدينة ( كالمسكوبية) و(عين العذراء) و(مقام النبي سعين ).

– لقد تأخرنا يا سيد ايدين قال أبو عيسى

– معك حق فلم نشعر بالوقت واستمتعنا كثيرا بصحبة ليزا وكارمن

– سنوصلكن إلى البيت ونتوكل على الله

– لا يمكن .. البيت كما رأيتم واسع وسنكون سعداء إذا شرفتمونا ونمتم عندنا هذه الليلة .

رد أبو عيسى :

– أنت والجميع تعلمون أنه يجب أن أكون مع العمال غدا

فقالت ليزا :

– ولكن مع وعد بأن نراكم ثانية.. ( ولم تكن تعلم أن أبو عيسى قد اتخذ قراره لإخبار ابنه ( وليام ) بأنه قد وجد له عروسا يتمناها أي أب لابنه ) .

– نعدكم بإذن الرب يا ابنتي أن نزوركم قريبا

 وبعد وصولهم المنزل ووداعهم لأهل ليزا رجع أبو عيسى وإيدن إلى القدس وبقيت ليزا ليومين آخرين مع أهلها قبل أن تعود لجامعتها .

أثناء العودة إلى القدس كان للحديث بين أبو عيسى وايدن والذي أضاف إليه أبو عيسى الحيوية بتشغيله احدي السيمفونيات في جهاز (الستيريو) الحديث بصوته المحيطي الذي يشعر المستمع إليه أنه قادم من كل الجهات وكذلك يتولد لديه شعور بأنه يجلس في القاعة التي تُعزف فيها السيمفونية وهذا الذي جعل ايدن على الفور يقول لأبو عيسى .

– ان هذه هي السيفونية الخامسة لبيتهوفن  ولا أمَلّ من سماعها .

– بالفعل انها جميلة ..

– وهي كالحياة عطرها يغمرنا بكل رقة

-أود أن أقول شيئا قرأته منذ بضعة أيام ولا أعرف أصلا له يا سيد ايدن ولكن أنت أعلم مني في هذه المسائل

– ما هو؟

– أن شيحا اعتلى منبره ليخطب حطبة الجمعة فقال :

إن بدويا أتى لمجلس كان يجلس به النبي محمد عليه الصلاة وأزكى السلام فنظر الى يمينه ثم الى شمله متفحصا الموجودين ثم سأل أين محمد فأشار أحد الجالسين لحضرة النبي .

ثم أنهى الشيخ الخطبة بقوله أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ،أقم الصلاة.

لماذا أنهى الشيخ خطبته فانني لم اكمل القراءة

أجاب ايدن باسما

– يا عزيزي أبا عيسى ، لأن موضوع الخطبة اكتمل

فرد أبو عيسى مندهشا ومستغربا

– ولكن كيف ؟

– ألا يكفي أن لا يستطيع الأعرابي الضيف أن لا يفرق بين الحاضرين ونبيهم وقائدهم ملكهم وأشرفهم ؟؟! العدل والمساواة والتواضع والرحمة والأخوة وغير ذلك مما يُستفاد من تلك الخطبة الموجزة المعبرة .

– جزاك الله خير يا سيد ايدن  وبالقياس أيضا نرى الملك الفارسي الهرمزان الذي قدم ليلتقي بالخليفة عمر بن الخطاب فأخبروه بأنه مستلقي تحت احدى الأشجار ولما رآه قال :

– حكمت فعدلت فنمت يا عمر

– أين نحن من تلك الأيام يا عزيزي أبو عيسى ؟!

 كان لذلك الحديث أثرا قويا في تقريب العقول والقلوب حيث شعر كلاهما بالكثير من المحبة والتقدير والاحترام اتجاه الآخر ولم يفلح أبو عيسى في إقناع ايدن بالبقاء لفترة ولو قليلة في بيت المقدس ورافقه لداخل الفندق عندما علم أنه سيسافر  في الغد باكرا وشربا مع بعض القهوة التركية ثم انصرف أبو عيسى مودعا ايدن ومتمنيا له كل خير.

   الطريق إلى طور سيناء طويل وكان حريصا بالمرور (بمدين) لشيء في نفس ايدن وبعد وصوله لمدينة (الطور) حيث كان شديد الحرص على أن لا يفقد الحقيبة فيضعها مساءا تحت رأسه وأثناء سفره يربطها على صدره تحت الثوب الذي يرتديه . سأل ايدن عن قبيلة  (الجباليه) فذهب إلى بيت شيخ القبيلة راكبا على جمل لأحد البدو الذين ينقلون الناس عبر تلك المناطق حيث لا تستطيع السيارة الحركة فيها لوعورتها وصعوبة تضاريسها .

 رحب عمر بايدن كثيرا وعرفه على رجال قبيلته الذين قدموا للسلام عليه بعد أن أشيع خبر وصوله لبيت شيخ القبيلة

جلس الجميع في خيمة الضيافة التي تعطي انطباعا لمن يجلس فيها أنها بيت شخص غني وذو نفوذ كبير .

قال عمر:

– أرجو أن لا تكون قد تعبت أثناء سفرك

– بتوفيق من المولى عز وجل كان كل شيء على ما يرام

لاحظ ايدن في عيون من حوله بعض نظرات الاتهام وعدم الارتياح فقال :

– أريد أن أقص عليكم قصة رجل في زمن سيدنا موسى عليه السلام

–  رجاءا يا إخوتي الهدوء لنسمع القصة من ضيفنا الكريم قال عمر موجها كلامه

 لكل من يجلس

فأكمل ايدن :

– كان سيدنا موسى جالسا يتعبد ويناجي ربه على تلة بالقرب من بئر في صحراء سيناء ، وإذا برجل يأتي البئر لينتشل منها الماء ويشرب وأثناء ذلك يسقط منه كيس نقوده فيذهب باتجاه الشرق ولم يشعر بسقوط كيس النقود ، وبعد برهة من الوقت يأتي رجل آخر ليشرب من تلك البئر فيشرب ويجد كيس النقود فينظر يمينا ويسارا فلا يجد أحدا فيأخذ كيس النقود ويمضي في طريقه إلى غرب البئر، كل ذلك وسيدنا موسى يراقب الوضع فيأتي رجل ثالث بقصد الشرب من تلك البئر السبيل وأثناء شربه يعود الرجل الأول باحثا عن كيس نقوده فيسأل الرجل الذي يشرب الماء عن كيس نقوده فيخبره أن لا علم لديه عما يسأل عنه الرجل فيعيد عليه السؤال أكثر من مرة ويخبره أنه لا يوجد غيرهما في المكان في هذه الأرض الخلاء ولكن الرجل يكرر جوابه بعدم معرفته بمكان كيس النقود وعدم أخذه له ويحتد النقاش فيستل الرجل الأول سيفه ويقطع رأس الرجل الثالث . وهنا يسأل سيدنا موسى ربه :

– ألم يمت الرجل الثالث ظلما ؟!

ويجيبه الله أن لا يتدخل موسى بين الله وخلقه فيقول موسى ولكن ليطمئن قلبي وهنا يجيبه ربه :

– إن الرجل الثالث هو قاتل والد الرجل الأول ولبث الرجل الأول أربعين عاما يبحث عن قاتل أبيه فسببتُ الأسباب يا موسى ليكون في الحياة قصاص وعدل ولا يظلم أحدا .

وهنا وقف عمر واتجه نحو ايدن ليقبل رأسه ويقول للحاضرين :

 – هذا ما حصل مع أبي رحمه الله فقد أخبرني أثناء احتضاره أنه من تسبب في مقتل والد السيد ايدن وأن كون ايدن بدفعة لوالدي سببا في موته هو القصاص وأوصاني بأن أدعو ايدن وأستضيفه وأخدمه وأساعده طيلة عمري وهنا تفهم من كان ينظر لايدن بنظرات الشك والريبة والاتهام واطمأنوا .

– من الأفضل أن نذهب الآن قال ايدن

– يا سيد ايدن حق الضيف ثلاثة أيام ومغادرتك لديارنا قبل ذلك يشعرنا بالتقصير اتجاهك

– أبدا وأعدك بالمكوث في دياركم كما تشاء بعد عودتنا

    تم تجهيز وإعداد جملين مع المؤونة اللازمة لتلك الرحلة الطويلة إلى (سانت كاترين) في جنوب سيناء . المسافة التي أمام ايدن وعمر طويلة ونيتهم أن يسلكوا طريقا غير الطريق المعروف يجعل المخاطر تزيد ولكن بالمقابل بعدهم عن أعين الناس يزيد من درجة الأمان لإيصال الحقيبة إلى المكان المطلوب .

   تعرضا أكثر من مرة لبعض المتطفلين من البدو ولولا دراية وشجاعة عمر ومعرفته بصحراء سيناء حيث قضى وقتا طويلا بصحبة والده متنقلا بين قبائل سيناء مرة لغرض التجارة ومرة أخرى لتنفيذ مهمة يطلبها منه والده وأصبح عارفا بالسير ليلا حيث يهتدي بواسطة النجوم وتعلم منذ صغره قص الأثر . وعند وصولهما مشارف مدينة سانت كاترين قال عمر لايدن:

– أفضل يا ايدن أن ندخل دير سانت كاترين مساءا

فرد ايدن:

– نعم هذا أفضل . كما أحب أن أخبرك يا عمر شيئا عن هذا الدير وتاريخه

– تفضل يا سيد ايدن إني مصغ إليك

    كاترين هذه قديسة اسمها الحقيقي ( زوروسيا ) ولدت في الإسكندرية ووصفت بالحكمة والعقل والحياء وتربت على محبة السيد المسيح وأتمت دراسة اللاهوت والفلسفة وتعمدت في سن الثامنة عشرة ولما حضر القيصر (مكسيميانوس) للإسكندرية أمر بعبادة الأوثان واضطهد القديسة وعذبها حتى أمر بقطع رأسها وجثمانها مدفون في الدير القريب من (جبل حوريب) حيث حصل سيدنا موسى على لوح الوصايا. ومن أمر ببناء الدير هي الإمبراطورة هيلانه والدة الامبراطور قسطنطين .

فقال عمر:

– هذه معلومات قيمة وبالرغم من اهتمامي ومعرفتي بالكثير عن تاريخ هذه المنطقة إلا أنه هنالك الكثير من التفاصيل التي لم أكن على دراية بها وخاصة التاريخية منها .

انتظر ايدن وعمر حتى المساء وذهبا إلى الدير حيث أوقفهما حارس عند البوابة الرئيسية فقال له ايدن :

– أرسل هذه الرسالة للأنبا (بطرس) لو سمحت

– انتظرا هنا من فضلكما..

وبعد عشرة دقائق حضر مساعد الأنبا بطرس وابتسم لهما وصحبهما للداخل لملاقاة الأنبا بطرس فرحب بهما كثيرا وقال:

سيرشدكما مساعدي إلى غرفتكما لتغتسلا وتناما ونلتقى صباحا في القداس وبعد ذلك نجلس سويا

– ولكن .. قال ايدن .. فقاطعه الأنبا بطرس

– هنا أمان لا تقلق يا سيد ايدن

فرد ايدن :

– نشكرك وإلى أن نلتقي غدا يحفظك الرب ويرعاك

وفي الصباح وجدا أن طعام إفطارهما قد أُحضر لهما بواسطة أحد العاملين في الدير وبعد تناوله استعدا للذهاب لحضور القداس فقال عمر وهل باستطاعتي الذهاب معك ؟

فأجاب ايدن:

– وماذا في ذلك ؟!

– أقصد أنني ..

فقاطعه ايدن قائلا وهو يبتسم :

– إن الله رب للجميع وكل واحد منا يعبده بالطريقة التي يراها مناسبة سواءاً كانت موروثة أو كانت نتيجة لهداية من شيخ أو قسيس أو حاخام .

– ولكن رسولنا هو خاتم الأنبياء

– الله يا عمر هو من نعبده وما فعله الأنبياء ما هو إلا إيصال وصاياه وأوامره ونواهيه .النقاش في هذا الموضوع يتحول إلى جدل عديم الفائدة .

– سأحضر معك وأصلي بطريقتي

– نعم هذا ما يجب أن تفعله ومن طلب منك غير ذلك ؟ .صلي لله وستشعر بالسلام بداخلك .

بعد حضور القداس صحبهما الأنبا بطرس ومساعده الذي أحضر مشعلا حيث فتح (الأنبا) ستارة خلف مكتبه لتظهر صورة للعشاء الأخير ولم تكن إلا غطاءاً لباب يؤدي إلى نفق يوصل إلى أسفل الكنيسة حيث (غرفة الجماجم) التي تحتوي على جماجم وعظام بشرية للرهبان القدماء ، غرفة تعلوها وبالقرب من السقف نوافذ واسعة تتسلل منها خيوط الشمس التي تتكسر فوق الجماجم فتخلف ظلالا من الرهبة وفي وسط الغرفة ينتصب هيكل عظمي كامل لرجل يرتدي كامل ملابسه الكهنوتية وهو هيكل الراهب ( أسطنانوس) الذي شيد بوابات التوبة في طريق جبل موسى .

ايدن وعمر ينظران باندهاش إلى الجماجم فقطع حبل صمتهما الأنبا بطرس بقوله :

– هذه نوع من العظة والعبرة بنهاية الإنسان . لنذهب إلى المسجد

– ماذا ؟ قال عمر باستغراب

فأجاب الأنبا :

– نعم هنالك مسجد بداخل الدير ولكن إذا أردتما الصلاة فيه فالقبلة ليست في الاتجاه الصحيح فقد بناه الرهبان في العصر الفاطمي لأسباب يطول شرحها . وأود أن ترافقاني إلى غرفة المخطوطات الآن .

أمر الأنبا مساعده بالعودة وذهب مع ايدن وعمر إلى غرفة المخطوطات وطلب من ايدن أن يعطيه الحقيبة حيث أخرج من جيبه مفتاحا وفتح الحقيبة وأخذ منها كل الوثائق ونظر نحو ايدن قائلا :

لقد كنت خائفا أثناء سفرك من ضياع الحقيبة أليس كذلك ؟

فأجاب ايدين :

– وهل كان يجب علي أن لا أخاف ؟!

– لا أقصد هذا المعنى ولكن كما ترى الوثائق والملفات بيضاء لا شيء مكتوب عليها

فصرخ ايدن مندهشا :

– ما الذي تقوله إنني لا أصدق عيناي

– صدق يا سيد ايدن فالمعلومات التي في هذه الوثائق والملفات سرية للغاية

– ولكن كيف؟

لا يمكن قراءة هذه الوثائق والملفات بدون مسحها بسائل لا يوجد إلا في كنيسة الفاتيكان وحتى عندما يُظهر السائل ما فيها فهي مشفرة بطريقة لا يعرفها إلا الحبر الأعظم .

– وهل تريد مني نقلها للفاتيكان ؟

–  ربما هذا يعود لهم في روما ، ستبقى الحقيبة هنا في خزينة الدير حتى نتلقى الأمر من البابا بخصوص الخطوة التالية.

(تمت)

25/5/2020

إهداء

إلى من كنت أقرأ لها كل ما أكتبه

فتبتسم أحيانا ابتسامة رضا وأحيانا

ابتسامة نقد فأضيف وأحذف

ولكن في حدود ابتسامتها

زوجتي

إلى أحبائي الذين قرأوا القصة قبل

غيرهم فكان لرأيهم إثراء

لما كتبت

إلى من يقرأ هذه القصة الآن

أرق التحيات وكل

التقدير والاحترام

المهندس/ جمال الدين البرغوثي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top